الرهان الخاسر

محمد ناجي أحمد

لا يتعامل الاستعمار مع أدواته في البلدان التي يغزوها بصيغة الشراكة والصداقة ،أو التحالف ،إنما يستخدمها بيادق لتحقيق أهدافه ،وهو في حال فشله عن تحقيق أهدافه أو نجاحه سرعان ما يتخلص منها !
لم يكن الاستعمار البريطاني لعدن بحسب وصف الكولونيل جايكوب سوى ” مثل من أمثلة اللصوصية ” ولم تكن موافقة سلطان لحج على تسليم عدن مقابل راتب سنوي سوى ” من أمثلة الحقارة ” ص54 الإمارات اليمنية الجنوبية – نجيب سعيد عز الدين –دار الباحث 1989م.
وعلى هذا القياس كانت اتفاقيات ومعاهدات الحماية والاستشارة مع المشيخات والسلطنات في جنوب اليمن تجسيدا لهذه الحقارة والارتماء في أحضان الاستعمار مقابل راتب شهري . وتحديد عملهم بتأمين السفن وطرق التجارة البرية وتشكيل حزام أمني وطوق قبلي يحمي مصالح بريطانيا العظمى في عدن ، ويشكل سدا في مواجهة الأتراك في شمال اليمن ،ثم عائقا أمام مطالبة الإمام يحيى باستعادة الجنوب المحتل .
لكن الأسوأ في كل المعاهدات التي عقدتها بريطانيا مع المشايخ والسلاطين كانت تلك الهرولة التي سعى إليها الشيخ قاسم بن سعيد الشرجبي شيخ الحجرية ، والتي سعى فيها الشرجبي وألح على أن يعقد اتفاقية معاهدة وحماية مع الانجليز أسوة باتفاقيتهم مع سلطنة لحج ،فكان التزامه من طرف واحد ،من خلال رسالته إلى الإنجليز ،والتي جاء فيها ” إن هذه الورقة التي حررها الشيخ قاسم بن سعيد الشرجبي ،تشهد بأنني “أي الشيخ قاسم بن سعيد ” صديق حميم للإنجليز ، وأنها لصداقة صادقة ودائمة لا تنقطع . إن ثقتي بالله بأن هذه الصداقة لن تنقلب إلى الضر ، وأن أي ضرر لن يقع ولا حتى أخطر الحوادث واقلها شأنا . إن رعاياي سيدخلون منطقتكم كأصدقاء (أي منطقة الانجليز في عدن ) ورعاياكم سيدخلون منطقتنا كأصدقاء ، وكل ما يسر الانجليز سيكون نافذا ، وسأعمل على الدوام بموجب تعليماتكم مهما كانت ، وإن صداقتنا يعلم الله بها وهو خير الشاهدين ” ص62 المرجع السابق. كان ذلك بسبب ما أحدثه انسحاب محمد علي باشا والي مصر من اليمن ،فترك فراغا أدى إلى فوضى وتفكك في اليمن ،مما شجع شيخ الحجرية وبسبب تجارة البن التي كان يديرها ،إلى أن يطمع بعقد اتفاقية حماية مع الانجليز !
لكن بريطانيا وجدت في عقد اتفاقية حماية مع الشيخ الشرجبي غير مجد وليس فيها نفع استراتيجي يحقق مصالح بريطانيا ،فجاء الرد من حكومة بريطانيا بالرفض والتراجع عن عقد الاتفاقية !
وقد كرر بعض مشايخ ووجهاء تعز المحاولة مع بريطانيا عام 1922م إلاَّ أنها كعادتها شجعتهم ثم تخلت عنهم . فمواقف بريطانيا تحكمها المنافع والمصالح الاستراتيجية ،ومصالحها في عدن وحزامها الأمني في المحميات الغربية والشرقية ،وليس في الحجرية أو تعز .
ولهذا نجد أن بنود الاتفاقيات والمعاهدات التي عقدتها بريطانيا مع المحميات الغربية والشرقية تعكس هذه المصالح المتمثلة ب: تأمين الطرق والتجارة وحماية محمية عدن ، والسواحل التي تمر بها السفن البريطانية من أي اعتداء ،مقابل راتب شهري واستضافة سنوية في عدن لمدة أسبوع لمشايخ المحميات مع تشريفهم ببعض البروتوكولات أثناء الاستقبال باستغباء واضح لجهلهم ،وإلزام لهم بما يجب أن يلتزموا به .
وحين انتهى دور هؤلاء المشايخ والسلاطين ،وبدأت بريطانيا تفكر بالانسحاب والجلاء من عدن لعدة أسباب عالمية ، وتحت ضغط العمليات الفدائية لثورة الرابع عشر من أكتوبر بقيادة الجبهة القومية وجبهة التحرير في جنوب اليمن –انتهت حاجة بريطانيا لهؤلاء السلاطين ،وتخلت عنهم . وقد عبر عن هذا المآل بشكل واضح ومباشر (الشريف حسين بن أحمد الهبيلي ) أمير بيحان ووزير الداخلية في حكومة الاتحاد الفيدرالي للجنوب ،حين قال ” من الأفضل كثيرا أن تكون عدوا لا صديقا لبريطانيا ،لأنك إذا كنت عدوا هناك إمكانية لشرائك وإذا كنت صديقا فمن المؤكد إيجاد إمكانية لبيعك “ص122 المرجع السابق . وهو ما أكده السلطان أحمد بن عبد الله الفضلي حين تخلت بريطانيا عنهم بقوله ” أنتم البريطانيون تخونون أصدقاءكم دائما . لقد فعلتم ذلك في كل مكان . كان أحرى بنا لو استجبنا لنصائح عبد الناصر الذي حذرنا من خداعكم ومكركم ” ص137المرجع السابق.

تصنيفات: أقلام حرة