تسييس القضاء كتسييس الهواء!

عبد العزيز البغدادي
ما أسمي بالحكم النهائي بحق المناضل القدير الشيخ الفاضل علي سلمان أمين عام جمعية الوفاق الذي لم نره ولم نسمعه إلا داعياً الى الحقِّ شديد الحرص على التمسك بمنطق الحوار ونبذ العنف والسعي بصدق نحو الوفاق رغم علمه بأن نظام البحرين لا يملك من أمره شيئاً ولا أذَلَّ منه سوى رموز مايسمى بشرعية هادي المرتهنة في فنادق الرياض ؛
هذا الحكم الصادر في 28 /1 / 2019 يحمل أعلى مستويات الاستهتار بالعدالة وتحويلها إلى أداة طيعة بيد الحاكم السياسي المحكوم من خارج البحرين !؛
هذا البحرين الأصيل يتحكم به اليوم (حكام بني سعود)، قتلة أطفال اليمن؛
ما ذا يعني الحكم على مناضل بهذا الحجم بالسجن المؤبد عقاباً على مزعوم مكالمة: وصفها مصدر الحكم ب: التخابر مع قطر، ليس مهماً أن تعرف مضمون المكالمة ومع من لا بل وليس مهماً أن يكون هناك مكالمة حقيقية أم أنها فبركة اتخذ منها القضاء المبرم سلفا مطية لإصدار الحكم (الجريمة) بحق العدالة الصادر عن القضاء البوليسي المستخدم في التنكيل بالشرفاء من أحرار البحرين شأنه شأن أي قضاء في الأنظمة الفاسدة ؛
ما أبشع الانحدار بالقضاء إلى هذا المستوى من الانحطاط والإسفاف، وما أقسى أن يصل القضاة إلى هذه الحالة من الاستهانة بحرية الإنسان التي هي أثمن من حياته بنظر كل من له علاقة بالحرية في هذا العالم؛
حينما استمعت إلى الحكم انتابتني مشاعر متضاربة من الغضب والدهشة والألم لكن لم يكن مفاجئاً صدوره من قضاء ليس سوى أداة بيد نظام تابع؛
حكم المحكمة سعودي الهوى والهُوية فاضح وصادم لكل حرٍّ ويعبر عن مستوى الهبوط الأخلاقي والقيمي لمملكة تتبع مملكة كلاهما ذيلٌ للشيطان ولهذا فليس بمستغرب !!
منذ اختطف النظام السعودي البحرين بشكل كلي باستخدام ما يسمى درع الجزيرة في 15/ مارس 2011تزايد التجرّؤ السعودي الذي يُظهِرُ البحرين مجرد ابنة بارّة تخلت عن مظاهر الحياة الديمقراطية التي كان النظام قبل استقبال الدرع يستخدمها للتزَيُّن وكشف عن وجه بدوي متوحش ليرتكب بحق البحرانيين أبشع الجرائم ويحول جنسية البحرين إلى ألعوبة  ينزعها ممن يشاء من أبنائه ويمنحها لمن يريد من الغرباء والمعروف أن الجنسية لم يعد من الجائز وفق أي دستور ديمقراطي أو ديكتاتوري أن تكون ضمن أملاك الحاكم لأنها حق من الحقوق اللصيقة بالشخصية ومن الحقوق المتصلة بحياة الإنسان الروحية والمادية !!؛
لم يكن الحكم مستغرباً لأن مملكة السعودية التي تقود مملكة البحرين لا تدركان قيمة العدالة ومعناها فنظامهما إنما يقوم ويبقى في نظرهما على سحق العدالة وممارسة أبشع صور الظلم كوسيلة لردع كل من يفكر في معارضتهما؛
وإذا كان هذا النظام الموحَّد في ممارساته للظلم بإشراف الموجِّه الأمريكي الصهيوني لا يدرك أنَّ هذه الممارسات إنما تغذي روح المقاومة وأن التضحيات والدماء إنماهي وقود الثورات، إذا كان النظام لا يدرك هذه الحقائق فإن الموجّه بلا شك يدرك، لكن ما يهمه هو مصالحه التي يضحي بعملائه من أجلها عند منتصف الطريق أو في أي مرحلة يرى أنه أصبح منتهي الصلاحية،
إذاً العدالة والهواء ضرورة واحتياج والحاجة إليهما سرعان ما تنقلب إلى ضرورة في حال عدم الاستجابة لنداء الحاجة وتصبح الثورة على الظلم مشروعة وفق ما يقره الدين والقانون والعرف، لكن نظام البحرين والسعودية وكل حاكم لا يدركون هذه الحقيقة بفعل غيبوبة السلطة إلا بعد فوات الأوان !،
إنهما ضروريتان لاستمرار الحياة بما فيها من خيرٍ وشر وإلا لما خلّد الله إبليس، ولكن لابد من كبح جماح الأشرار وليس المناضلين والداعين إلى الحرية والعدالة والسلام والحوار؛
ومثلما أن الهواء مادة يحتاج إليها القلب ليستمر في النبض فإن العدالة موقف و كلمة حق يراد بها الحق ولا تحتمل النفاق الذي صار اليوم مادة أساسية من نسيج السياسة الهادفة لتضييع الحقوق باسم الحفاظ عليها فالمفهوم السائد للسياسة عند الدول المتبوعة أنها طغيان المصالح المتوحشة المتحكمة في حياة الناس وهيمنة الظلم أو اعتباره وجهة نظر، أما لدى الدول التابعة فالسياسة هي الاستسلام والخنوع والتبعية والاعتماد على حماية المتبوع ومن الواضح أن النظام السعودي تابع لأمريكا متبوع من البحرين ليس لقدرة السعودية على الهيمنة وإنما لأن أمريكا في البلدان محدودة الموارد توكل بعض نشاطها لبعض عملائها ! ،
بصمات النظام السعودي صارت بعد 2011 واضحة المعالم في تصرفات نظام البحرين والأحكام القضائية المسيسة التي تصدر عن قضائه، وما تفكر فيه السعودية هو قمع المعارضة منعا لانتقال عدوى الثورات من أي اتجاه اعتقادا منها بأن القمع هو العلاج، يغيب عن وعي المستبدين أن العدل هو الحصن الواقي للحاكم من الانزلاق إلى مهاوي الردى لأن للسلطة كما يبدو سكرة كسكرات الموت !،
فالنظام السعودي وتابعه لا يدركان قيمة العدالة والحرية لأنهما لا يدركان قيمة الحياة !؛ هذا السلوك يا إخوتنا في البحرين غير مستغرب فقد صار مدرسة انتهجها عملاء آخرون في اليمن لدرجة أنه لم يتحرج قادة سياسيون وحملة دكتوراه من إعلان وقوفهم مع العدوان على وطنهم باسم دعم الشرعية ولو تمثل دعمهم بقتل الأطفال والنساء وانتهاك الأعراض وتدمير البنية التحتية واستهداف المعالم الأثرية إنها مدرسة جديدة للعمالة أكثر وقاحة مما عرفناه من مدارس !؛
حين يدرك القاضي والحاكم السياسي ما معنى أن العدالة حاجة وضرورة لكل إنسان موالٍ أو معارض ، صديق أو عدو محب أو مبغض ، كبير أو صغير ، قريب أو بعيد ، من عرقك أولونك أومن أي عرقٍ أو لون كان ، من جماعتك أو حزبك  أو من جماعة اليهود والنصارى أو أي جماعة كانت ، وحين يدرك النظام السياسي أن ّ عينه على القضاء والعدل يجب أن تكون عين رعاية ودعم وحماية وليست عين رقابة لمعرفة ولاء القاضي فلان لرفع مكانته وموقعه والقاضي علاّن المتمسك بالحق الذي لا يخشى فيه لومة لائم لإقصائه والبحث عن قاضٍ إمَّعة مرتشٍ لا يحس بقيمة الحرية والعدالة ، حين يدرك الحاكم السياسي أن يده مع العدالة والقضاء الذي يمثلها لها قوة ومنعة وسطوة ساندة للحق والعدالة وفي سبيلها وتحت إمرتها وليس في مواجهتها ، تحت سلطتها وليست متسلطة عليها ، حينها يدرك  الناس قيمة الحياة ومعناها ، وآنذاك يبدأ شعورهم بالاطمئنان والسعادة !.
هو العدلُ عنوان ُ كلُّ تقيٍّ
ومحرابُهُ المستطاب النقيّْ
وحَظُّ الغَرور الشقيُّ المظالمْ
يجدِّفُ في بحرِها أو يغوصْ

تصنيفات: أقلام حرة