“أنتم خصومنا أمام الله”.. بيانُ غزة الأخير
أفق نيوز| محمد فاضل العزي|
ما يحدث في غزة اليوم تجاوز حدود “الأخبار” واقتحم منطقة الشهادة التاريخية.
ليست مُجَـرّد حرب، بل هي عملية تصفية وجودية بحق إخواننا في غزة تجري تحت بث مباشر يشاهده العالم ببرود، ويُباركها دول الجوار بصمتٍ لا يقلّ فتكًا عن قذائف الفوسفور.
أولًا: شراكة الصمت.. الخيانة المقنّعة
إنّ العدوّ الصهيوني لا يقتل غزة وحده؛ بل يقتلها بمداد الصمت العربي والإسلامي.
الجريمة اليوم لم تعد “صهيونية” حصرًا، بل هي جريمة جماعية يتقاسم وزرها كُـلّ من يملك “كلمة” فحبسها، و”رغيفًا” فمنعه، و”موقفًا” فباعه في سوق النخاسة السياسية ليحصل على كلمة مدح من قبل أمريكا.
من يغلق المعبر ليس جارًا بل سجانٌ يشارك في خنق غزة.
من يبرّر الحصار بدواعي الأمن هو شريك في هندسة الموت.
من يطالب الضحية بضبط النفس وهو يرى الجلاد يمزق أشلاءها، هو منافقٌ تجرد من أدنى معايير الشرف والكرامة الإنسانية.
ثانيًا: اغتيال الوعي.. إعلامٌ يغسل دماء الجلاد
لقد سقط القناع عن الإعلام العربي والدولي، الذي تحوّل في معظمه إلى مغسلة للجرائم.
لم تعد المصطلحات رمادية فحسب، بل أصبحت أدوات قتل ناعمة: حين يُسمى القصف العشوائي “استهدافًا دقيقًا”، فهذه خيانة.
وحين يُسمى التجويع الممنهج “أزمة إمدَادات”، فهذا تضليل.
وحين تتحول فتاوى الحق إلى تنظيرات للتعايش في زمن الإبادة، فهذا سقوطٌ أخلاقي للمنابر التي كان يُفترض أن تكون حصونًا للمظلومين.
ثالثًا: مأساة “الاتّفاقات”.. تخديرٌ قبل الذبح
إنّ ما يُروج له من “هدن” و”اتّفاقات” ليس سوى إدارة ذكية للجريمة الصهيونية والأمريكية.
هي محاولات لخفض ضجيج الصراخ لا لرفع السكين عن الرقبة.
إنها صفقات لشراء الوقت لصالح القاتل، وامتصاص غضب الشعوب المكبولة، وتبييض وجه الإدارة الأمريكية التي تمدّ كَيان الاحتلال بالسلاح بيد، وبالمناديل الورقية لمسح دموعنا باليد الأُخرى.
رابعًا: غزة.. الحجّـة القائمة والخصومة الآتية
غزة اليوم لا تطلب منكم نصرةً لتعيش، بل لكي لا تموتوا أنتم أخلاقيًّا وإنسانيًّا ودينيًّا.
هي لا تستجدي شفقة منكم لأنكم أصبحتم لا تمتلكون الرحمة، بل تُدلي بشهادتها الأخيرة والحجّـة النهائية والكاملة.
غزة اليوم لا تُباد في الظلام، بل تُباد تحت أضواء كاشفة كشفت عورات العواصم، وهشاشة الشعارات، وزيف الأنظمة والمنظمات الدولية.
ختامًا: سيأتي يومٌ لا تنفع فيه الدبلوماسية ولا تبرير “المصالح القومية”.
ستقف غزة بأطفالها الخدّج، ونسائها اللاتي قُتلن جوعًا، ورجالها الذين لم يركعوا إلا لله، ليقولوا كلمةً واحدةً أمام ملك الملوك: “يا رب، هؤلاء خذلونا حين كنا نُذبح.. هؤلاء هم خصومنا اليوم”.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾.