في ظل التحوُّلات المتسارَعة التي تشهدُها المنطقة، يعودُ الحديثُ مجدّدًا عن محاولات التآمر على اليمن، سواء من الداخل أَو الخارج، بدعمٍ واضح من السعوديّة وبعض أطراف ما يُعرَفُ بالرباعية.

هذه المحاولات، التي لم تتوقَّفْ منذ سنوات، تكشفُ إصرارًا على تجاهُلِ حقائق الواقع اليمني، والتغيرات العميقة التي طرأت على وعي الشعب، وعلى موازين القوى في الإقليم.

 

وَهْمُ العودة إلى الوراء

إن مَن يسعى إلى التآمر على اليمن الكبير يكرّرُ أخطاءَ الماضي ذاتها، متوهِّمًا أن الضغوطَ السياسيةَ أَو الاقتصادية أَو العسكرية يمكن أن تعيدَ عقاربَ الساعة إلى الوراء.

غير أن التجربةَ أثبتت أن اليمن لم يعد ساحةً مفتوحةً للمشاريع الخارجية، ولا ورقة سهلة في يد أي طرف إقليمي أَو دولي؛ فسنوات الصمود والمواجهة صنعت واقعًا جديدًا، تشكّل فيه وعي وطني يرى في الاستقلال والسيادة خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها.

 

السياق الاستعماري والرهان الفاشل

التآمُرُ، مهما تنوّعت أدواته، لا يمكنُ فصلُه عن السياق العام للمخطّطات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

فاليمن، بموقعه الجغرافي وثقله التاريخي، ظل هَدَفًا ثابتًا في الاستراتيجية الاستعمارية التي تسعَى إلى تفكيك الدول من الداخل، وإشغال شعوبها بصراعات داخلية.

كما أن الرهانَ على الأدوات الداخلية أثبت فشلَه مرارًا؛ فاليمنيون، رغم معاناتهم، راكموا تجربةً قاسيةً جعلتهم أكثر إدراكًا لحقيقة الصراع، وأكثر وعيًا بخطورة الارتهان للخارج.

 

درس التاريخ: من صدام حسين إلى اليوم

وفي هذا السياق، تبرز مسؤوليةُ النظام السعوديّ بشكل خاص؛ إذ إن التاريخَ القريب يقدم نموذجًا صارخًا لطبيعة العلاقة مع أمريكا.

فالتجربة العراقية، بقيادة صدام حسين، تكشف بوضوح كيف جرى توظيف نظام عربي بالكامل لخدمة الأجندة الأمريكية، بدءًا من قيادته لتحالف عربي ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وُصُـولًا إلى استنزاف العراق.

وحين انتهى الدور المرسوم، لم تتردّد أمريكا في التخلي عن صدام حسين، بل قادت عملية إسقاطه وتركته يواجه مصير الإعدام.

هذه التجربة تعكس نمطًا ثابتًا في السياسة الأمريكية، يقوم على استخدام الحلفاء كأدوات مؤقتة، ثم التخلي عنهم فور انتهاء صلاحيتهم.

ومن هنا، فإن أي رهان على المشاريع الأمريكية لا يمكن اعتباره ضمانة للأمن؛ بل إن الواجب يفرض على النظام السعوديّ أخذ العبرة، فالحفاظ على كَيان الاحتلال الصهيوني ونهب الثروات هو المحرك الوحيد لسياسة واشنطن.

اليمن، رغم الجراح، يمضي بثباتٍ نحو تثبيت معادلة جديدة عنوانُها السيادةُ والاستقلال.

وأيةُ محاولة للالتفاف على هذه الحقيقة ستصطدمُ بإرادَة شعب خبر المؤامرات وخرج منها أكثر صلابة.

إن العواقبَ الوخيمةَ التي تترتب على استمرار التآمر ليست تهديدًا، بقدر ما هي قراءة واقعية لمسار الأحداث، ودعوة صريحة إلى التعقل والاعتراف بأن زمن التحكم باليمن من الخارج قد ولّى إلى غير رجعة.