أفق نيوز
الخبر بلا حدود

بيان السيد القائد في ذكرى الهروب المذل للمارينز

47

أفق نيوز| فهد شاكر أبوراس|

لقد أعاد بيان السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي “حفظه الله” صياغة وعي الأُمَّــة من جديد، حَيثُ جعل من ذكرى جلاء المارينز الأمريكي من صنعاء محطة إلهام تتجاوز الزمان والمكان لتلامس جوهر الصراع مع مشروع الهيمنة الصهيونية الأمريكية.

وهذه ليست مُجَـرّد رواية سياسية عابرة، بل هي سردية مقدسة تستمد شرعيتها من دماء الشهداء وهتافات الجماهير، وتقدم للعالم نموذجًا فريدًا في التحرّر من التبعية للغطرسة الغربية.

ولعل أعظم ما فيها أنها تكسر هالة الخوف والهيبة التي طالما أحاطت بأجهزة الاستخبارات الأمريكية العملاقة وأحدث تقنياتها العسكرية، فتخرج علينا بالحقيقة المذهلة التي يعايشها اليمنيون يوميًّا: أن أمريكا ليست إلهًا لا يقهر، وأن المارينز نفسه يهرب ذليلًا عندما يواجه إيمانًا صادقًا لا يشترى بأموال النفط ولا يهادن بصفقات التطبيع.

 

تحطيم الوصاية وربط الساحات

إن صورة السفير الأمريكي وهو يتحكم بمفاصل الدولة اليمنية سابقًا، ويوزع الأدوار على كبار المسؤولين هي الصورة البشعة التي يريد السيد القائد “حفظه الله” تجذيرها في الذاكرة الوطنية، ليسَ مِن أجلِ استعادة الماضي فقط، بل لقراءة الحاضر بعيون واعية تدرك أن أمريكا لا تختلف أدواتها بين صنعاء وبغداد أَو بين كابول والقاهرة؛ فهي دائمًا ما تسعى للتمركز في قلب العاصمة لتخترق القرار السياسي من الداخل، وعندما تعجز تتحول إلى عدوان مباشر كما تفعل اليوم في غزة.

وهنا يكمن عمق الربط العبقري الذي أجراه السيد القائد “حفظه الله” بين هروب المارينز من اليمن وصمود غزة الأُسطوري؛ فكلاهما وجهان لعملة واحدة هي معجزة المقاومة التي لا تنضب، والتي تثبت أن الإرادَة الإلهية إذَا تلبست بشعب مؤمن جعلت من الحجارة سلاحًا فتاكًا ومن الطائرات المسيرة كوابيس تؤرق مضاجع البنتاغون ليل نهار.

 

الثورة الإسلامية: نموذج الدولة والمصير المشترك

ثم يأتي الالتفات إلى الثورة الإسلامية في إيران ليكتمل المشهد العقدي الذي لا يعترف بالحدود الجغرافية المصطنعة التي رسمها “سايكس بيكو” لتمزيق الأُمَّــة؛ فهذه الثورة المباركة التي قادها الإمام الخميني (قدس سره) هي النموذج العملي الذي أثبت أن الإسلام قادر على إدارة دولة وبناء حضارة ومواجهة أعتى قوى الاستكبار، ولهذا فإن التهنئة بها في هذا التوقيت ليست من باب المجاملة الدبلوماسية، بل هي إعلان انتماء لمشروع الأُمَّــة الواحدة الذي تتشارك فيه طهران مع صنعاء وغزة وبيروت في معركة المصير الواحد ضد العدوّ الصهيوني.

 

وثائق إبستين: سقوط القناع الأخلاقي للغرب

أما الحديث عن وثائق “إبستين” الشيطانية، فهو الكاشف الأعظم الذي يجرد الغرب من أقنعته الإنسانية المزيفة ويكشف الوجه الحقيقي للصهيونية العالمية كعقيدة تقوم على الفساد والجريمة المنظمة واستغلال الأطفال وتجارة البشر، وليس مُجَـرّد حركة سياسية تسعى لوطن قومي.

وهذه الوثائق لو تم توظيفها إعلاميًّا بالشكل الصحيح لكانت كفيلة بإسقاط هيبة النخبة الحاكمة في واشنطن ولندن تمامًا كما سقطت هيبة المارينز في صنعاء؛ لأنها تثبت أن الرؤساء والوزراء الذين يتحدثون عن الحرية وحقوق الإنسان هم أنفسهم زبائن جزيرة الشيطان، وأن أموال الضرائب التي تذهب للجيش الأمريكي تتحول في الخفاء إلى رشاوى وأدوات ابتزاز لإخضاع السياسيين والملوك والأمراء.

وهذه الحقيقة التي أعلنها السيد القائد “حفظه الله” بكل وضوح هي جوهر الصراع بين مشروعين: مشروع العدل الإلهي الذي يمثله القرآن الكريم، ومشروع الفاحشة والمنكر الذي تمثله الصهيونية بكل تشكيلاتها السرية والعلنية.

 

طريق الكرامة: لغة الأنبياء في زمن التخاذل

إنها حقًا لحظة استثنائية في تاريخ الأُمَّــة أن يخرج قائد إسلامي من موقع المسؤولية ليخاطب العالم كله بلغة الأنبياء، لا بلغة السياسيين التقليديين، فيذكرنا بأن الأعداء ليسوا أقوياء بقدراتهم الذاتية، بل هم أقوياء بتخاذلنا وغفلتنا وتنازلاتنا المخزية.

ولهذا فإن الطريق الوحيد لاستعادة الكرامة ليس في قاعات المفاوضات ولا في مجالس التعاون الخليجي ولا في القمم العربية البائسة، بل في:

إحياء الهُوية الإيمانية التي كانت سببًا في إنجاز سبتمبر العظيم.

استلهام روح المقاطعة الشعبيّة التي هزت عروش الظالمين.

الاعتصام بحبل الله الذي لا يوهن مهما تكالبت قوى الطاغوت.

من هنا نفهم لماذا أصر السيد القائد “حفظه الله” على تسمية الانسحاب الأمريكي بأنه “هروب” وليس جلاءً تكتيكيًّا؛ لأنه انتصار للإرادَة الشعبيّة على تكنولوجيا القتل، ودليل مادي ملموس على أن النصر حليف الصابرين مهما طال الليل واشتدت المحن.

 

شمس الحقيقة تشرق من صنعاء

أخيرًا، إن رسالة السيد عبدالملك الحوثي “يحفظه الله” اليوم هي رسالة أمل لكل مستضعف في الأرض يئن تحت نير الاحتلال والقهر، وهي شهادة ميلاد جديدة لوعي إسلامي متحرّر من عقدة الخنوع للغرب؛ فكما هرب المارينز من صنعاء سيهرب غدًا من القدس ومن الرياض ومن أبو ظبي، لأن شمس الحقيقة بدأت تشرق من صنعاء إلى غزة لتزيح ظلام عقود من الهيمنة الأمريكية.