أفق نيوز
الخبر بلا حدود

إصلاح ذات البين في زمن الشتات

48

أفق نيوز| نبيل الجمل|

إن الإصلاح بين الناس عبادةٌ خفية خاشعة، سماوية المقصد، أرضية الأثر، هي ميزان العدل الذي يرجح حين تضطرب كفة الحياة، وهي الوسيلة الفضلى التي تعبر عليها الأرواح من ضيق الشقاق إلى سعة الوفاق.

لقد رفع الله سبحانه وتعالى شأن هذا العمل، فلم يجعله مُجَـرّد عرف اجتماعي أَو واجب تفرضه العادات، بل جعله طاعةً يتعبد بها العبد لربه، وقربةً يرجو بها الفوز في يوم تشخص فيه الأبصار؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَو مَعْرُوفٍ أَو إصلاح بَيْنَ النَّاسِ﴾.

إن كُـلّ جهد يُبذل لإطفاء فتنة، وكل خطوة تُمشى لوصل حبالٍ انقطعت، هي صلاةٌ في محراب الحق، وصدقةٌ جارية في صحائف الحسنات.

ولقد أخبرنا النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله الطاهرين) بأن إصلاح ذات البين ميزانها كدرجة الصيام والصلاة والصدقة؛ وليس تقليلًا من شأن الفرائض، بل لأن الخصام هو “الحالقة” التي تهدم الدين، وتزرع البغضاء، وتفتح للشيطان ثغورًا لا تُسد إلا بالمحبة والتسامح.

 

أثر الإصلاح في النسيج المجتمعي

والإصلاح لا يحتاج إلى فيض مال ولا سطوة سلطان، بل يكفيه قلبٌ طاهر، وكلمةٌ صادقة، وموقفٌ عاقل يُراد به وجه الله الكريم.

إن أثر هذا الفعل يتجاوز حدود المتخاصمين ليعم المجتمع بأسره؛ فحين تعود المودة بين الأفراد يسود الأمن والسكينة، وحين تزول الخلافات بين العائلات تُرمم روابط المجتمع، وحين يلتئم شمل الجماعات تقوى الأُمَّــة وتصبح كالجسد الواحد.

وفي هذه الظروف القاسية التي تمر بها يمننا الحبيب، وسط سنوات العجاف والحصار المطبق والأزمات الاقتصادية الخانقة، تكالبت القضايا وتراكمت الهموم؛ فمنها ما ولّدته الحاجةُ، ومنها ما زرعه الأعداء وكَيان الاحتلال الصهيوني والغرب لتمزيق النسيج المجتمعي وإغراقه في صراعات جانبية تشغل الناس عن قضيتهم الكبرى.

لقد اكتظت المحاكمُ وأروقة النيابات ومراكز الأمن بقضايا مثقلة بالوجع، تراكمت لسنواتٍ في ظل فساد إداري وقضائي زاد من معاناة المظلومين وأخّر حقوق المستضعَفين.

 

توجيهات القيادة ومسؤولية اللجان

ومن هنا، وانطلاقًا من المسؤولية الإيمانية والوطنية، جاءت توجيهاتُ السيد القائد (حفظه الله) بتكليف لجان ميدانية مكثّـفة في عموم المحافظات؛ لجان للتحرّي والإنصاف، لردع الظالم، وكف يد الفاسد، وإرجاع الحقوق إلى أهلها.

إننا من هذا المقام نبعثُ بصدقِ النصح لهذه اللجان: الأمانة واليقين: اتقوا الله في الأمانة التي حُمّلتموها، وأدّوا عملَكم بيقين من يعلم أنه يقف بين يدي الله.

 

البلسم الشافي: كونوا بلسمًا لجراح الناس لا ملحًا عليها.

مفاتيح الخير: نوجه النداء لكل ذي مسؤولية في وزارة العدل والداخلية، وللشخصيات الاجتماعية والقبلية: اجعلوا من أنفسكم مفاتيحَ للخير، ومغاليق للشر.

النزاهة والعدل: تحرّوا النزاهة، وانبذوا الرشوة والمحسوبية، وافصلوا في القضايا بعين الرحمة وقوة الحق، مقتدين بنهج الرسول الأعظم وآله الأطهار في إقامة القسط.

الخلاصة: إن الإصلاح بين الناس عبادة ترفع الدرجات وتطفئ السيئات؛ فلنجعل كُـلّ منا لنفسه نصيبًا من هذا الفضل.

لنكن ممن يجمعون الشتات ولا يفرقون، فمن كان في الدنيا رسول سلام ورحمة، جعله الله يوم القيامة قريبًا من رحمته.

إن العدل هو الركن الذي لا يميل، والإصلاح هو البناء الذي لا ينهدم.