ترامب.. مهرج يغطّي الهزيمة بوهم التفاوض
أفق نيوز| عبدالمؤمن محمد جحاف
في كُـلّ مرةٍ تتعرض فيها أمريكا لاختبار حقيقي في ميادين الصراع، تتكشف فجوةٌ واضحة بين الخِطاب السياسي المُعلَن والواقع الميداني الفعلي.
وما يُعاد إنتاجه اليوم في المشهد المرتبط بإيران، ليس سوى نسخةٍ مكرّرة من سلوكٍ سبق أن خبره اليمنيون عن قرب خلال مرحلة التصعيد في البحر الأحمر، حين برز اسم دونالد ترامب كعنوانٍ للخطاب المزدوج.
رواية الهروب.. حين يُعاد صياغة الفشل
في التجربة اليمنية، لم تكن الوقائع غامضة أَو قابلة للتأويل؛ فالمعركة في البحر الأحمر جاءت ضمن سياقٍ معلن: إسنادٌ مباشر لغزة، ومواجهةٌ مفتوحة مع كُـلّ من يتورط في حماية كَيان الاحتلال الصهيوني.
وفي المقابل، كان الموقف واضحًا أيضًا: من يبتعد عن المواجهة، يُتجنب.
لكن ما حدث لاحقًا كشف عن مسارٍ مختلف؛ إذ اختارت أمريكا التراجع، في خطوةٍ بدت أقرب إلى الانسحاب تحت الضغط الميداني.
غير أن هذا التراجع لم يُقدَّم للرأي العام بوصفه نتيجة فشل، بل أُعيدت صياغته عبر روايةٍ بديلة تزعم وجود تفاهمات أَو طلبات تهدئة من الطرف اليمني، وهو ما لم يحدث إبدًا.
صناعة الانتصار الوهمي
هذا النمط من السلوك السياسي لا يُعد جديدًا في أدبيات القوة العظمى؛ إذ غالبًا ما تُعاد هندسة الوقائع لتفادي الاعتراف بالخسارة.
فبدلًا من الإقرار بالعجز عن تحقيق الأهداف، يتم إنتاج سردية “انتصار دبلوماسي” أَو “اتّفاق غير معلَن”، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة.
في الحالة اليمنية، كان الهدف واضحًا: خلق مخرجٍ يحفظ ماء الوجه، ويمنح القرار بالانسحاب غطاءً سياسيًّا وإعلاميًّا، خَاصَّة في ظل فشل تحقيق الردع أَو تغيير معادلات الميدان.
تكرار السيناريو مع إيران
اليوم، ومع تصاعد الصراع مع إيران، يبدو أن ذات السيناريو يُعاد تفعيله، مع اختلاف جوهري في السياق.
فمحاولة تقديم أي تراجع محتمل على أنه نتيجة مفاوضات، تعكس استمرارا لنفس الذهنية التي تسعى إلى إدارة الأزمات عبر الإعلام، لا عبر الوقائع.
غير أن الفارق هذه المرة كبير؛ فإيران ليست ساحةً هامشية، ولا طرفًا يمكن احتواء مواقفه بسهولة، كما أن طبيعة الصراع وتعقيداته الإقليمية والدولية تجعل من إعادة إنتاج “رواية الهروب” أمرًا أكثر كلفةً وأقل قابلية للتصديق.
بين الواقع والسردية
ما بين التجربة اليمنية والمشهد الإيراني، يتضح أن الفجوة بين الحقيقة والرواية الرسمية قد تتسع، لكنها لا تختفي.
فالميادين تظل قادرة على فضح السرديات المصطنعة، مهما بلغت دقة إخراجها الإعلامي.
وفي المحصلة، فإن إعادةَ تدوير ذات الأساليب، قد تنجح مرحليًّا في تضليل الرأي العام، لكنها تعجز عن تغيير حقائق الميدان، أَو إخفاء ملامح التراجع والهزيمة حين يكون واقعًا لا يمكن إنكاره.