أفق نيوز
الخبر بلا حدود

شمس الحقيقة: بين محاولات الحجب وحتمية البزوغ

37

أفق نيوز| شاهر أحمد عمير

في صراع الأفكار والمواقف، تبرز ظاهرة إنسانية غريبة؛ وهي ظاهرة “الإنكار الطوعي”.

فمن يحاول حجب ضوء الشمس بيده، لا يخدع العالم بقدر ما يخدع نفسه، ومن يدّعي أنه لا يرى ضياءها لو وُضعت أمام ناظريه آلاف الشموس، لن يقرَّ بوجود النور؛ ليس لعجز في بصره، بل لقرارٍ مسبق اتخذه في بصيرته، وهذا ما وصفه الحق سبحانه في محكم تنزيله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.

ما نشهده اليوم من محاولات لبعض القوى الإقليمية والدولية لتبرئة آلة القتل والدمار ليس إلا تجسيدًا لهذا الإنكار؛ فمحاولات التغطية على جرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة ولبنان، وما تقوم به أمريكا وكِيان الاحتلال في إيران، وما عاناه اليمن من قتل وتدمير، كلها حقائق ساطعة تُواجَه بأعذار واهية وتبريرات لا تصمد أمام منطق الإنسانية، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.

إن الحقيقة في جوهرها تمتلك قوة ذاتية، لا تحتاج إلى إذن من أحد لتكون موجودة، ومع ذلك نجد في الواقع من يتفنن في طمسها مهما تضافرت الأدلة وتراكمت البراهين.

هذا النوع من التعنت ليس جهلًا، هو موقف مصلحي وهروب نفسي؛ فالحقيقة أحيانًا تكون مرآة تعكس عيوبًا لا يريد البعض رؤيتها، أَو تهدم عروشًا من الأوهام بُنيت على باطل، وهؤلاء يصدق فيهم قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أنفسهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.

إن مواجهة هؤلاء بالحقائق المُجَـرّدة تشبه محاولة إضاءة غرفة لشخص يصرُّ على إغلاق عينيه بإحكام، متمسكًا بروايات كاذبة لتبرير الدمار المسكوب على الأبرياء، متناسين أن الباطل مهما علا فمصيره الزوال: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾.

من يعتقد أن الحل يكمن في “قتل” الحقيقة ودفنها تحت أطباق الثرى، يجهل طبيعة الأشياء، ويغفل عن أن الله سبحانه وتعالى قد شرع الجهاد في سبيله وسيلةً لكشف زيف الباطل، وفضح مكائد المنافقين، وهتك أستار مكر اليهود التي تُحاك في الظلام.

فالحقيقة ليست جمادًا يُقبر، كلما زاد الضغط عليها، وكلما أمعن البعض في طمرها تحت ركام التضليل الإعلامي والسياسي، وجدت في ذلك التربة الخصبة لتمتد جذورها وتستجمع قوتها، تمامًا كما ضرب الله مثلًا للكلمة الطيبة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾.

إن محاولات الدفن والتعمية ليست إلا تأجيلًا مؤقتًا لانفجار الضوء، فالحقيقة التي تُدفن وهي حية لا تموت، بل تنبت وتنمو بصمت حتى يأتي اليوم الذي تشق فيه الصخر لتظهر على السطح، ناضرة وقوية وعصية على الكسر.

ومع قادم الأيّام، يبقى الزمن هو الشاهد الأعدل والغربال الذي لا يُبقي إلا الأصيل؛ فالزيف مهما تزيَّن يظل زبدًا يذهب جُفاءً: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرض﴾.

ويجب أن نوجه القول لكل من يحاول مطاردة الضوء أَو وأد الحق: إن جهودَكم ضائعةٌ أمام سنن الله في الكون، فالحياة علّمتنا أن الحقائق قد تُحجب لبرهة، وقد تُشوه لظرف، لكنها في نهاية المطاف تشرق كالشمس في رابعة النهار، وتنمو كالأشجار الراسخة التي لا تزيدها رياح التضليل إلا ثباتًا ويقينًا، لأن الله قد قطع وعدًا لا يُخلف: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.