في رحاب العشر الأوائل من ذي الحجة
أفق نيوز| رويدا البعداني
في الوقت الذي يتمزق فيه أديم الصبر، ويطيح التعب بالقلوب المجهدة فتغدو مكسورة لا تقوى على النهوض من جديد، وتثقل الحياة كاهل العابرين بظروفها الصعبة… تأتي نسائم العشر من ذي الحجة كبلسم يداوي كل الجراح التي نزفت في الخفاء، ويرمم كل ما خلفته الأيام من تعب، ويربت على كتف الدموع التي لم تجد لها منافذ للمرور.
هي ليست مجرد أيام عابرة، بل فرصة العمر التي لا تأتي في السنة إلا مرة واحدة، والمحطة الروحية التي إن استغل المؤمن لياليها نال الأجر الوفير وهانت عليه مصائب الدنيا؛ إنها الأمل المتجدد الذي ننتظره كل عام لنجد فيه طوق النجاة، والفجر الباسم الذي يشرق في أرواحنا. وكيف لا يكون لها كل هذا الجلال، والله عز وجل تعظيمًا لهيبة قدومها وعظمة فضلها قد أقسم بها فقال: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ}.
ومن بركات هذه الأيام أن الأعمال الصالحة ترفع بأجر مضاعف، وتعظم فتغدو عند الله أحب إليه من سائر أيام العام؛ فالدمعة في حضرتها توبة، والسجدة راحة، والدعاء وسيلة، واليقين ملاذ. فيها تُشرع أبواب السماء أن هلموا بدعواتكم، وتعبق نفحاتها أرجاء الكون في مشهد إيماني مهيب يخبرنا بمدى قداسة هذه الأيام عند الله… ولأنها عظيمة إلى هذا الحد، فقد جعل الله ختامها مسكًا بليلة لا تشبهها ليلة، ويوم تجلى فيه بالرحمات والمغفرة وهو يوم عرفة.
وأمام هذه العظمة، يأسف القلب على من تمر عليه هذه النفحات وهو في غفلة لا يدري عنها شيئًا، ثم ما إن تنتهي حتى يعود متندّمًا على ما فرط فيها؛ ويعتصر كمدًا لمن يراها مجرد محطة مؤقتة تمضي بمضي أيامها، دون أن يجعلها حاضرة في وجدانه، ويعتبرها مشروع حياة.
وكيف نغفل عنها وفي هذا العالم قلوب أضناها نير الحروب، وشتتها النزوح والاغتراب.. قلوب لا تملك من حطام الدنيا شيئًا، لكنها تتشبث بنسائم هذه العشر وسط الركام والمخيمات وكدر العيش، وتراها ملجأها الوحيد وأملها المتبقي لتضميد كل ما خلفته الصراعات… فياعجبًا لمن يملك الأمن والفراغ ثم يزهد في نفحاتها!!