السيد القائد في يوم الولاية : قراءة تحليلية في الأبعاد الدينية والقرآنية والسياسية لكلمة قائد الثورة
أفق نيوز| طارق الحمامي
جاءت كلمة قائد الثورة، السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، بمناسبة يوم الولاية (عيد الغدير) لتقدم رؤية شاملة تتجاوز البعد الاحتفالي للمناسبة، وتضعها في إطارها الديني والقرآني والحضاري المرتبط بواقع الأمة الإسلامية وتحدياتها المعاصرة، وقد تميزت الكلمة بربطها بين الحدث التاريخي للغدير وبين قضايا الأمة الراهنة، لتؤكد أن الولاية ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل مشروع هداية وحماية واستقلال وعزة للأمة في مختلف مراحلها.
الغدير .. من حدث تاريخي إلى مشروع حضاري مستمر
أبرزت الكلمة أن يوم الغدير يمثل حقيقة تاريخية ثابتة ومتفقاً عليها في مصادر المسلمين، وأن إحياءه ليس استدعاءً لحدث مضى، بل توثيق لبلاغ نبوي عظيم ارتبط بكمال الدين وتمام النعمة. ومن هذا المنطلق، قدم السيد القائد المناسبة باعتبارها محطة سنوية لاستحضار أحد أهم المفاصل في تاريخ الرسالة الإسلامية، فالحديث عن الغدير، وفق الرؤية التي طرحتها الكلمة، لا يقتصر على البعد التاريخي، بل يرتبط بامتداد مشروع الهداية الإلهية في الأمة، وما يمثله ذلك من ضمانة لاستمرار المسار الإسلامي الصحيح بعد رحيل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وفي هذا السياق، تبرز المناسبة كعملية تجديد للوعي الإسلامي بمسؤولية الحفاظ على الدين وصيانته من الانحراف، وربط الأجيال المتعاقبة بمصدر الهداية الإلهية ومنهجها القويم.
الولاية وكمال الدين .. قراءة في الدلالة القرآنية
من أبرز المضامين التي ركزت عليها الكلمة الربط المباشر بين يوم الغدير والآية المباركة: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً”، وتكشف هذه المقاربة عن رؤية تعتبر أن الولاية ليست قضية فرعية أو هامشية، بل مكون أساسي في البناء الإسلامي، يرتبط بكمال الدين وتمام النعمة الإلهية على الأمة، فبحسب ما طرحته الكلمة، لا يتحقق الأثر الكامل للإسلام في حياة الناس إلا ضمن إطار الولاية الإلهية التي تنظم مسار الأمة وتحفظها من الانحراف والتشتت والضياع، ومن هنا تتجاوز الولاية مفهوم السلطة السياسية الضيق إلى مفهوم أشمل يرتبط بالهداية والتربية والقيادة والمرجعية والقيم والمبادئ التي تحكم حركة الأمة في الحياة.
الولاية كحصانة استراتيجية للأمة
أحد المحاور المركزية في الخطاب تمثل في تقديم الولاية باعتبارها منظومة تحصين للأمة في مواجهة الاختراق الخارجي، فالكلمة ربطت بين مفهوم الولاية في القرآن الكريم وبين التحذير الإلهي من التولي للأعداء، معتبرة أن أخطر أشكال الاختراق التي تتعرض لها الأمم هو الاختراق في موقع القرار والتوجيه وولاية الأمر، وتبعاً لهذا الطرح، فإن فقدان الاستقلال السياسي والثقافي والاقتصادي ليس إلا نتيجة طبيعية لانتقال الأمة من ولاية الله إلى ولاية القوى المعادية لها، ويؤكد السيد القائد في الكلمة أن الولاية ليست شعاراً دينياً مجرداً، بل إطار عملي يحفظ للأمة استقلالها وهويتها وقرارها الحر، ويمنع تحولها إلى ساحة خاضعة للإملاءات الخارجية.
إسقاطات الواقع المعاصر في خطاب الولاية
من السمات البارزة في الكلمة الربط المكثف بين دلالات الغدير وبين المشهد السياسي الراهن في المنطقة، فقد قدم السيد القائد الولاية باعتبارها قضية حاضرة في كل ملفات الصراع المعاصر، بدءاً من القضية الفلسطينية، مروراً بالتدخلات الأجنبية في العالم الإسلامي، وانتهاءً بمحاولات الهيمنة السياسية والثقافية على شعوب المنطقة،
ويظهر في هذا الطرح أن معركة الوعي تمثل جزءاً أساسياً من معركة التحرر، وأن مواجهة مشاريع الهيمنة تبدأ من تحرير الإرادة والقرار، وإعادة بناء العلاقة مع القرآن الكريم ومنظومة القيم الإسلامية، كما ربط السيد القائد في الكلمة بين حالة التبعية السياسية لبعض الأنظمة وبين ما وصفته بغياب مفهوم الولاية الصحيح، معتبرة أن الارتهان للخارج يمثل نتيجة مباشرة لفقدان الاستقلال في القرار والهوية.
القرآن الكريم محور الولاية ومرجعيتها
أكد السيد القائد في الكلمة أن الولاية في جوهرها امتداد للهداية الإلهية التي يمثل القرآن الكريم مركزها ومحورها الأساسي، فولاية الله، كما عرضها الخطاب، ليست علاقة عاطفية أو شعورية مجردة، بل التزام عملي بمنهج الله وتشريعاته وأوامره ونواهيه في مختلف مجالات الحياة، ومن هذا المنطلق جاء التأكيد على ضرورة تعزيز الارتباط بالقرآن الكريم باعتباره الضمانة الحقيقية لبقاء الأمة على المسار الصحيح، وباعتباره المرجعية العليا التي تمنح الأمة القدرة على مواجهة التحديات الفكرية والسياسية والثقافية، وتكشف هذه الرؤية عن مركزية القرآن في مشروع الولاية، بحيث يصبح الالتزام بالقرآن معياراً أساسياً لقياس مدى حضور الولاية في واقع الأمة.
الإمام علي عليه السلام نموذج الامتداد الرسالي
خصصت الكلمة مساحة واسعة للحديث عن مكانة الإمام علي بن أبي طالب باعتباره النموذج الأكمل لامتداد مسيرة الهداية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي هذا الإطار لم يُطرح الإمام علي كشخصية تاريخية فحسب، بل كنموذج للقيم الإيمانية العليا التي تجسد معاني العدالة والشجاعة والعلم والتقوى والإخلاص لله، وتبعاً لذلك، فإن إحياء يوم الولاية لا يقتصر على استذكار شخصية عظيمة في التاريخ الإسلامي، بل يتجه إلى استحضار النموذج العملي الذي ينبغي أن تستلهمه الأمة في قيادتها وسلوكها ومسيرتها الحضارية.
الولاية وبناء الهوية الإيمانية اليمنية
من المضامين اللافتة تأكيد السيد القائد أن يوم الولاية يمثل جزءاً أصيلاً من الموروث الإيماني للشعب اليمني، وأن إحياء هذه المناسبة يمتد عبر قرون طويلة من التاريخ، ويعكس هذا الطرح رؤية تعتبر أن الهوية الإيمانية اليمنية تشكلت تاريخياً من خلال ارتباطها بالمناسبات الدينية الكبرى التي أسهمت في حفظ القيم والمبادئ الإسلامية وتعزيز الوعي الديني والاجتماعي، ومن هنا جاء الاحتفاء الشعبي الواسع بالمناسبة باعتباره تعبيراً عن عمق الارتباط بهذه الهوية وتجذرها في الوجدان الشعبي.
من الوعي إلى الموقف
لم تتوقف الكلمة عند حدود التشخيص والتحليل، بل انتقلت إلى تأكيد جملة من المواقف العملية، أبرزها التمسك بالقرآن الكريم، والثبات في مواجهة التحديات، ورفض الخضوع لمشاريع الهيمنة، ومواصلة دعم القضايا الإسلامية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية،
كما شددت على أن المرحلة الراهنة تتطلب وعياً عالياً بحجم المخاطر والتحديات، وأن خيارات الاستسلام والخضوع للأعداء لا تمثل طريقاً للنجاة، بل تؤدي إلى مزيد من التبعية والضعف وفقدان الإرادة.
ختاما ..
تكشف كلمة السيد القائد بمناسبة يوم الولاية عن رؤية متكاملة تجعل من الغدير محطة سنوية لإعادة قراءة العلاقة بين الدين والواقع، وبين الهداية والقيادة، وبين الهوية والاستقلال. فالولاية في هذا الخطاب ليست مجرد مناسبة دينية أو ذكرى تاريخية، وإنما مشروع قرآني متجدد يهدف إلى بناء أمة حرة واعية ومحصنة، تستمد قيمها ومواقفها من هدي الله، وتحافظ على استقلال قرارها، وتواصل أداء رسالتها الحضارية والإنسانية في مواجهة مختلف التحديات والأخطار.