أفق نيوز
الخبر بلا حدود

إعادة رسم خريطة الردع.. إيران تضع مضيق هرمز كخط دفاعها الأول

93

أفق نيوز|

في خطوة وصفها مراقبون بـ “القرار الاستراتيجي”، تواصل إيران سيطرتها الكاملة على مضيق هرمز، الشريان الحيوي للطاقة في العالم.

وتقول طهران إن التعنت الأمريكي والاعتداءات المتكررة على أراضيها وسيادتها دفعتها إلى إغلاق المضيق كإجراء احترازي ودفاعي وحق سيادي، لمنع العدو الأمريكي من استخدامه كمنصة لعدوانه على الأراضي الإيرانية.

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي، لقد تحول إلى ورقة ضغط وخط دفاع أول ، حيث تؤكد إيران أن استمرار سيطرتها على المضيق وإغلاقه أمام السفن المرتبطة بالولايات المتحدة يأتي رداً مباشراً على ما تصفه بـ “العدوان الأمريكي المستمر” والعقوبات والتهديدات العسكرية.

ويبدو أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين بشأن سيطرة بلادهم على مضيق هرمز تتجاوز محاولات تثبيت مكاسب الحرب، وتعزيز موقفهم التفاوضي، إلى الكشف عن التصورات الإيرانية لما يمكن أن يكون عليه الوضع المستقبلي للممر المائي الدولي.

فبينما تتوالى الاعتداءات الأمريكية الإجرامية على عدد من مناطق إيران، قال مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، إن المضيق ملك لإيران، ولن تستطيع قوة في العالم سلب سيادتها عليه، مؤكدا أنه “أصبح خاضعا لسيادة طهران بقرار من المرشد كإنجاز لحرب الـ40 يوما”.

وتعتمد إيران في مضيق هرمز على منظومة عسكرية متكاملة أكثر من اعتمادها على أسطول بحري كبير، مستفيدة من موقعها الجغرافي على الضفة الشمالية للمضيق.

وتشمل هذه المنظومة صواريخ ساحلية مضادة للسفن، وزوارق سريعة، وألغاماً بحرية، وغواصات صغيرة، ومسيّرات ورادارات للمراقبة، بما يمنحها قدرة على التحكم بالملاحة.

سيادة إيران وأمن المنطقة

وفي ذات السياق، أكد مصدر في القوة البحرية للحرس الثوري الإيراني، أمس الأحد، استمرار منع حركة السفن في مضيق هرمز إلى حين تغير الأوضاع.

وقال المصدر لوكالة أنباء “فارس” الإيرانية: “ما دامت الإجراءات العدائية والاعتداءات الأمريكية مستمرة، سيظل مضيق هرمز مغلقاً، و لن يُصدر أي تصريح لعبور السفن”.

وأوضح أنه لا توجد حالياً أي حركة ملاحية عبر هذا الممر البحري، مضيفاً: “أي محاولة للعبور من مضيق هرمز، ولا سيما من قبل السفن المخالفة، ستواجه برد من القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

إلى ذلك، قال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة الإيرانية الجنرال أبو الفضل شكارجي، إن سيادة الجمهورية الإسلامية على مضيق هرمز تضمن أمن المنطقة بأسرها، ولا تؤدي إلى زعزعة الأمن، مؤكدا أن الأمريكان دأبوا لسنوات على نهب دول المنطقة والتسبب في انعدام الأمن.

ونقلت وكالة تسنيم الإيرانية، عن الجنرال شكارجي، قوله “نحن نصرّ على انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، ولن نتراجع أبداً فيما يتعلق بمضيق هرمز”.

وأكد أن “هذا ليس مطلباً أنانياً من جانبنا؛ بل إن مشكلتنا تكمن في مجيء الولايات المتحدة إلى هنا من الجانب الآخر من العالم”، معتبرا أنه “لولا الوجود الأمريكي، لما تجرأ أحد في المنطقة على مخاطبة الآخرين بلهجة قاسية”.

واشنطن لن تتمكن من إعادة فتح المضيق بالقوة

وأكد مساعد قائد الحرس الثوري الإيراني للشؤون السياسية، العميد يد الله جواني ، أن الولايات المتحدة لن تتمكن من إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، مشددًا على وجود إجماع داخل إيران بشأن الحفاظ على السيطرة على هذا الممر المائي الاستراتيجي.

وقال جواني، في تصريح نقلته “وكالة فارس” الإيرانية، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيأخذ معه إلى القبر حلم إعادة فتح مضيق هرمز عبر العمل العسكري، مضيفًا أن المسؤولين الإيرانيين متفقون على “الحفاظ على هذا الممر وفرض الترتيبات الإيرانية فيه”.

وأوضح أن القوات المسلحة الإيرانية تمتلك القدرة العسكرية اللازمة لحماية المضيق والسيطرة عليه، مستندًا إلى الموقع الجيوسياسي للخليج الفارسي ومضيق هرمز وبحر عمان.

وأشار مساعد قائد الحرس الثوري إلى أن هناك دعمًا شعبيًا كاملًا لهذه السياسة، لافتًا إلى أن الإيرانيين لا يدعمون فقط السيطرة على المضيق، بل يعتبرونها “أولوية قصوى”.

من جانبه، أشار المتحدث باسم الجيش الإيراني، العميد محمد أكرمي نيا، في مقابلة مع وكالة أنباء “فارس”، إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، قائلاً: “يُعد هذا الممر المائي الدولي إحدى أهم القدرات الجيوسياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والذي يحظى باهتمام متزايد في المعادلات الإقليمية والعالمية”.

وشدد على قدرة إيران على إدارة وتأمين المضيق، قائلاً: “تمتلك الجمهورية الإسلامية الإيرانية قدرات دفاعية وعملياتية واسعة، وستحافظ على أمن هذه المنطقة الاستراتيجية بالاعتماد على قدراتها الداخلية وقواتها المسلحة”.

فشل مشروع “الممر الجنوبي”

أما رئيس السلطة القضائية في إيران، غلام حسين محسني إيجئي، فقد أكد أن ما يجري في مياه الخليج الفارسي يعد أوضح دليل على الإخفاق الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية، مشيرًا إلى أن فشل مشروع “الممر الجنوبي” في مضيق هرمز وأد المخطط الأمريكي في مهده.

ونقلت وكالة “تسنيم” الإيرانية، عن ايجئي قوله: “إن ما يجري في مياه الخليج الفارسي يمثل الدليل الأبرز على فشل الاستراتيجية الأمريكية”، موضحًا أن “إفشال مشروع الممر الجنوبي أحبط مخطط واشنطن، وحوّل حلم فرض القيود على حدود إيران إلى كابوس للمعتدين”.

ولفت إلى أن حماة الحدود والمدافعين عن مضيق هرمز، لا يكتفون بالدفاع عن الحدود الجغرافية فحسب، وانما يصونون أيضا عزة إيران واستقلالها المشروع في مواجهة العدوان الممنهج، مؤكدًا أن ذلك سيجعل من غدر الأعداء وعدوانهم هزيمة تاريخية لهم.

لا مفاوضات مع أمريكا

من ناحيته، نفى الفريق الإيراني المفاوض، الأنباء التي يروّج لها الإعلام المعادي بشأن استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية، مؤكدا أن الوضع في مضيق هرمز يجب أن يكون تحت سيطرة طهران وفقاً للمادة الخامسة من مذكرة التفاهم.

وذكرت اللجنة الإعلامية للفريق الإيراني المفاوض، في بيان نقلته وكالة “مهر”، أن مضيق هرمز، وفقًا للمادة 5 من مذكرة التفاهم، يجب أن يكون تحت إدارة إيران.

وأضافت “ونظرًا لانتهاك الولايات المتحدة لهذا البند، فقد عاد الوضع في المضيق إلى ما كان عليه قبل توقيع مذكرة التفاهم”.

وتابعت: “نرفض الادعاءات بشأن استمرار المفاوضات، ونؤكد أن القنوات الرسمية هي المرجع الموثوق في هذا الشأن”.

أما المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، فقد شدد على عدم وجود أي بندٍ في مذكرة تفاهم إسلام أباد يسمح لأمريكا بإنشاء مسارٍ بحريٍّ مستقل أو موازٍ في مضيق هرمز.

وأكد بقائي، في مقابلة مع أحد رواد الفضاء الإلكتروني، نقلت تفاصيلها وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، أن مجمل مسار الاتفاق أصبح معلقاً بسبب عدم التزام واشنطن بتعهداتها وشنّها هجمات جديدة على بلاده.

وبيّن أن المادة 5 من مذكرة التفاهم تنص صراحةً على أن إدارة مضيق هرمز تتم بالتشاور مع سلطنة عمان ودول المنطقة، إلا أن أمريكا بتجاهلها لهذا الاتفاق، تعتزم السيطرة على هذا الممر المائي الاستراتيجي.

وقال إن الإجراءات التقييدية الأخيرة التي اتخذتها إيران تُعدّ ردًا مسؤولًا لمواجهة استغلال هذا الممر المائي من قبل المعتدين لمهاجمة إيران، مؤكداً أن مصدر عدم الاستقرار في المنطقة هو تدخلات أمريكا والكيان الصهيوني التي تُعيد إنتاج الحروب والعنف باستمرار.

قرار إيراني متفق عليه

وفي قراءته لتصريحات المسؤولين الإيرانيين، وصف رئيس مراكز الأبحاث والدراسات في إيران، عماد أبشناس ، ما قاله ولايتي بأنه تعبير عن رؤية فعلية تقوم على أن إيران فرضت سيطرتها بالقوة على المضيق بعد الحرب، ومن ثم لا يجب التخلي عن هذه السيطرة بأي ثمن.

وقال أبشناس ، في مقابلة مع قناة الجزيرة ، إن ما قاله ولايتي “يمثل قرارا حكوميا وعسكريا إيرانيا، متفق عليه من الحمائم والصقور، بل ومن الشارع الإيراني”.

فالمضيق – يضيف أبشناس – ملك لإيران وسلطنة عُمان فقط لأن مياههما الإقليمية متداخلة، لكنه ليس ملكا لبقية دول المنطقة.

فمياه الخليج ككل تقع ضمن الجرف القاري للدول المتشاطئة، وهناك تداخل في القوانين الدولية بشأن ملكية الدول للمياه الإقليمية، كما يقول أبشناس، “لكن هذه الدول تمتلك حقا في المضيق وفق قانون الجرف القاري، بينما لا تمتلك أي حقوق فيه وفق قوانين أخرى، ومن ثم يصبح متداخلا بين إيران وعُمان فقط”.

الجغرافيا تمنح إيران أفضلية إستراتيجية

من جهته، أكد محلل المخاطر الجيوسياسية، واساي مير، أن محاولات التهدئة الأخيرة في مضيق هرمز لم تكن سوى هدنة مؤقتة سرعان ما تهاوت أمام الواقع الجغرافي والعسكري المعقد للمنطقة.

واعتبر مير، في مقال نشرته مجلة ناشونال إنترست، أن “المشكلة لا تكمن في سوء النيات أو ضعف الدبلوماسية، وإنما في “الجغرافيا” التي تمنح إيران أفضلية إستراتيجية، إذ تسيطر بالكامل على الساحل الشمالي للمضيق”.

وأوضح أن “مضيق هرمز يظل المنفذ البحري الوحيد للخليج إلى المحيط المفتوح، وينقل نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا إضافة إلى معظم صادرات الغاز الطبيعي المسال في المنطقة، بينما لا تستطيع خطوط الأنابيب البديلة استيعاب سوى جزء محدود من هذه الكميات، الأمر الذي يجعل تجاوز المضيق خيارا غير عملي في الوقت الراهن”.

وأشار إلى أن إيران عززت موقعها العسكري عبر قواعدها في بندر عباس والجزر المحيطة بالمضيق، مثل قشم وهرمز ولارك، والتي تتيح لها نشر الصواريخ وإطلاق الزوارق السريعة وزراعة آلاف الألغام البحرية.