الكيان السعودي كمثل العنكبوت
أفق نيوز| إبراهيم محمد الهمداني
تتجلى الحقيقة القرآنية في أدق صورها الدلالية والواقعية، حين نتأمل البنية الهيكلية والسياسية للكيان السعودي؛ فبالرغم من مظاهر الهيمنة المادية، والترسانة العسكرية الضخمة، والتدفقات المالية النفطية الهائلة، إلا أن هذا الكيان يظل في جوهره وحقيقته الوجودية، “كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت”، وهذا الوهن المتأصل لا ينعكس في ضعف الإمكانات، بل في انعدام القدرة الذاتية في الاعتماد على الذات، وخاصة انعدام القدرة على حماية الذات، والاعتماد المطلق على خيوط واهية، من التحالفات الخارجية مع الشرق والغرب، التي سرعان ما تتلاشى عند أول هبة وعي شعبي حر، أو فعل ثوري شعبي تحرري عارم.
أخرجت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر 2014م، أضغان الكيان السعودي وما يكنّه من العداء للشعب اليمني، وبدأ يبث سمومه وعداوته وأحقاده في تحركاته السياسية والدبلوماسية، التي سعى من خلالها بكل ممكناته وأدواته، إلى إجهاض هذه الثورة والإرادة الشعبية، بهدف إفشال المسار الشعبي التحرري الوليد، وبلغت تلك المؤامرات العدوانية السعودية ذروتها، مع انطلاق العدوان السعودي وحلفائه على اليمن، في 26 مارس 2015م، ليخرج القسم الأكبر من البغضاء، التي انطوت عليها صدورهم، ولم يجرؤ هذا الكيان على مواجهة اليمن منفرداً، بالرغم من فارق الإمكانات المادية والتسليحية، حيث سارع منذ اللحظة الأولى، إلى غزل شبكة عنكبوتية معقدة، من التحالفات الإقليمية والدولية، بدأت بما سمي «التحالف العربي لدعم الشرعية»، الذي ضم في ظاهره وبدايات تشكيله نحو 12 دولة، من بينها دول مجلس التعاون الخليجي، ومصر، والأردن، والمغرب، والسودان، بالإضافة إلى دول الغرب الاستعماري وخاصة أمريكا، وصولاً إلى استئجار القتلة المأجورين والمرتزقة، من مختلف قارات العالم وجنسياته.
ولم يقف الأمر عند حدود الجغرافيا العربية؛ بل تمدد عدوان الكيان السعودي، ليتكئ على تحالفات دولية أوسع، تمثلت في الدعم الاستخباري واللوجستي والعملياتي المباشر، من ثلاثي الاستكبار العالمي (أمريكا، بريطانيا، فرنسا)، ومع تطور مسار الأحداث، وصمود الشعب اليمني الأسطوري، انكشفت خيوط تحالفات أخرى غير معلنة، تجسدت في التنسيق الأمني والسياسي مع الكيان الصهيوني، وصولاً إلى الانخراط غير المباشر، في تحالفات بحرية متعددة الجنسيات، لحماية مصالح القوى الاستعمارية، في البحر الأحمر وباب المندب.
إن اللجوء المتكرر والدائم من قبل الرياض، لعقد كل هذه التحالفات، والانتقال من حلف إلى آخر، يحمل دلالات استراتيجية ونفسية بالغة الأهمية، منها:
1- الإقرار الضمني والعلني بالعجز الذاتي، وعدم قدرة النظام السعودي، على خوض مواجهة مباشرة وعسكرية مستقلة، أمام بأس اليمانيين.
2- أزمة الشرعية والوجود، التي جسدها وأثبتها شعور الكيان السعودي الدائم، بأنه نبتة غريبة في المنطقة، مما يدفعه للاحتماء بالقوى الدولية، لشراء صكوك البقاء والتأمين.
3- فشل الرهانات على التحالفات المتعاقبة، فكلما ترهل حلف أو تفكك، نتيجة الضربات الردعية اليمانية، هرعت الرياض لنسج خيط عنكبوتي جديد، لعله يعوض وهن الخيط السابق.
4- المحاولات الهروب اليائسة، من التبعات القانونية والتاريخية لجرائم الحرب، وتوزيع المسؤولية الجنائية والأخلاقية، من خلال تشتيت دم الشعب اليمني، بين القبائل والدول على امتداد التحالفات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذه التحالفات خدمت أو ستخدم الكيان السعودي؟
الحقيقة التي أثبتتها سنوات المواجهة الطويلة، تؤكد عكس ذلك تماماً، فهذه التحالفات لم ولن تحقق للسعودية أياً من أهدافها الاستراتيجية، بل تحولت إلى عبء حقيقي، يستنزف مقدراتها ويهدد مستقبلها، في ظل تآكل الهيبة السياسية والعسكرية للرياض، بعد أن عجزت منظومات الدفاع الغربية، وحلفاء الشرق والغرب، عن حماية منشآتها النفطية وحقولها الحيوية، من طائرات وصواريخ القوات المسلحة اليمنية.
علاوة على ذلك؛ تحولت الرياض إلى مجرد “بقرة حلوب”، يتم ابتزازها مالياً وسياسياً، من قبل حلفائها في القوى الدولية، التي تبيعها خيوط الوهم والأمان الزائف، مقابل مئات المليارات من الدولارات، وهو ما يؤكد أن الاعتماد على هذه التحالفات الدولية العنكبوتية الهشة، هو ارتهان لمتغيرات ومصالح دولية، لا تعرف الصداقة الدائمة، وحين تقتضي مصالح تلك الدول الكبرى، الانسحاب أو تغيير الاستراتيجية، ستجد الرياض نفسها وحيدة، وسط محيط متلاطم من الأزمات والعداوات والثارات.
إن تحالفات بيت العنكبوت السعودي المتعاقبة، مهما بدت محكمة إعلاميا ومترابطة عسكريا، إلا أنها تغرق في ضعفها وعجزها عن الصمود، أمام أبسط المتغيرات الطبيعية، وهذه هي طبيعة الكيان السعودي وتحالفاته العنكبوتية الكثيرة المتعاقبة، التي لم يحصد منها سوى الخيبة والفشل ومزيد من الهزائم، ولم يتبق له من شبكات تحالفاته العنكبوتية، سوى تلك الخيوط الواهنة الممزقة في مهب الريح، وتلك التضحيات والدماء المراقة بغير حق، التي جدلها صمود البأس اليماني، حول عنق هذا الكيان الوظيفي المتصهين، ليحكم خناقه تدريجيا بصبر وثبات، ويعجل زواله ونهايته المحتومة، بسيف عدالة القضية والمظلومية، وضربات رجال أولى بأس شديد، رسموا للعالم أجمع مسار العزة والكرامة والسيادة والاستقلال، وأثبتوا أن الارتهان إلى قوى الاستكبار العالمي، لا يبني دولة ولا يحمي نظاماً، وأن الاحتماء بشبكات تحالفات الارتهان والتبعية العنكبوتية، قد أثبتت عجز وضعف التابع والمتبوع، وأن قوة وهيمنة وتسلط البترودولار، لا تعدو كونها وهما بالأمان الزائف والحماية المفقودة.