أفق نيوز
الخبر بلا حدود

رسائل المولد النبوي .. تثبيت الهوية وتوسيع معادلة الصراع وإعادة تعريف أولويات المواجهة

68

أفق نيوز| طارق الحمامي

في مناسبة المولد النبوي الشريف، حملت رسائل السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، جملةً من المواقف السياسية والفكرية والاستراتيجية التي تتجاوز الطابع الاحتفائي بالمناسبة، لتقدم رؤية متكاملة لطبيعة المرحلة وأولوياتها، وتعيد ترتيب العلاقة بين الهوية الإيمانية، والاستقلال الوطني، والقضية الفلسطينية، والصراع مع العدو الصهيوأمريكي، وصولًا إلى الملف اليمني وعلاقته بالإقليم، وتكشف قراءة هذه الرسائل مجتمعة أن الخطاب يتحرك ضمن أربعة مسارات مترابطة، من تثبيت الهوية والقرار الوطني، إلى تأكيد مركزية فلسطين، وتوسيع مفهوم المواجهة الإقليمية، وربط إنهاء الحصار على اليمن بمعادلة ضغط مقابلة، كما أن الخاتمة التي تدعو إلى الاستعانة بالله والتوكل عليه وتكثيف الجهود تمنح هذه المسارات بعدًا تعبويًا واضحًا.

الهوية الإيمانية باعتبارها أساسًا للاستقلال

تأتي الرسالة الأولى في مقدمة الخطاب لتضع الإطار الفكري الذي تُقرأ من خلاله بقية المواقف،  فالتأكيد على “التوجه الإيماني” و”المسيرة القرآنية” و”النهضة التحررية الجهادية” لا يُطرح، بوصفه مجرد توصيف ديني، وإنما باعتباره أساسًا لمشروع الاستقلال الوطني، وهنا يبرز مفهوم محوري هو رفض مصادرة القرار اليمني، فالاستقلال، في الرؤية التي يعرضها السيد القائد،  لا يقتصر على خروج القوات الأجنبية أو إنهاء التدخل العسكري، وإنما يشمل امتلاك اليمنيين حق تحديد خياراتهم السياسية والثقافية والاستراتيجية انطلاقًا من هويتهم،  وتحمل عبارة “لن يقبل أبدًا بمصادرة هذا الحق” دلالة سياسية مهمة؛ إذ تحول الاستقلال من مطلب مرحلي إلى ثابت استراتيجي لا يخضع لحجم الضغوط أو التحديات أو التضحيات.

فلسطين محور مركزي في الخطاب اليمني

الرسالة الثانية تنقل الخطاب من المجال الوطني المباشر إلى المجال العربي والإسلامي الأوسع، عبر تأكيد ثبات الموقف من القضية الفلسطينية، واللافت أن فلسطين لا تظهر في هذه الرؤية باعتبارها ملفًا سياسيًا منفصلًا عن اليمن، بل باعتبارها قضية الأمة كلها، بينما يُقدَّم الموقف من الكيان الإسرائيلي باعتباره جزءًا من موقف مبدئي وإيماني،  ويترتب على ذلك انتقال القضية الفلسطينية من مستوى التضامن السياسي إلى مستوى الالتزام العملي المستمر، كما يظهر في الحديث عن مساندة الشعب الفلسطيني ومجاهديه، وربط نهاية الصراع بتحرير فلسطين واستعادة المقدسات، وفي مقدمتها المسجد الأقصى، ومن منظور تحليل الخطاب، فإن هذا الربط يؤدي وظيفتين في آن واحد،  الأولى، إضفاء بعد ديني وأخلاقي على الموقف السياسي، بحيث لا يُقدَّم الانحياز لفلسطين باعتباره خيارًا ظرفيًا مرتبطًا بالتطورات السياسية،  والثانية، إدماج القضية الفلسطينية في تعريف الدور الإقليمي لليمن، بحيث يصبح الموقف من فلسطين أحد المعايير الأساسية التي يحدد الخطاب من خلالها موقع اليمن في منظومة الصراع الإقليمي، وهذا يفسر لماذا تأتي فلسطين في قلب الرسائل، رغم أن المناسبة يمنية في سياقها المباشر؛ فالخطاب يريد القول إن رؤية القيادة لطبيعة المرحلة لا تفصل بين الساحة اليمنية والساحة الفلسطينية.

“وحدة الساحات” كعنوان للتحول من المواجهة المنفردة إلى المواجهة متعددة الجبهات

في الرسالة الثالثة، يتسع نطاق الخطاب بصورة أكبر، إذ ينتقل إلى الحديث عن الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، ومشروعات “تغيير الشرق الأوسط” و”إسرائيل الكبرى”، ثم يربط ذلك بالموقف من إيران ولبنان وفلسطين وسائر جبهات المقاومة،  وهنا تظهر بوضوح فكرة وحدة الساحات باعتبارها أحد المفاهيم المركزية في الرؤية التي يطرحها السيد القائد،  فبدل النظر إلى كل جبهة باعتبارها ملفًا مستقلًا، يؤكد على أن هناك صراعًا إقليميًا واحدًا تتعدد ساحاته وأطرافه، وبالتالي، فإن الضغط على إحدى الساحات لا يُنظر إليه باعتباره حدثًا محليًا، وإنما جزءًا من مسار أوسع، وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يعيد تعريف وظيفة التحالفات، فالتعاون بين القوى والجبهات التي يصنفها الخطاب ضمن “محور الجهاد والمقاومة” لا يظهر فقط باعتباره تنسيقًا سياسيًا، وإنما باعتباره آلية لمراكمة القوة وتوزيع أعباء المواجهة.

كما أن الدعوة إلى “الالتحاق بمحور الجهاد والمقاومة” تمثل دعوة لتحويل هذا المحور من إطار يضم قوى محددة إلى مشروع أوسع يستقطب التأييد الشعبي والسياسي في المنطقة ،  ومن الناحية الاستراتيجية، فإن مفهوم وحدة الساحات يغير طبيعة الحسابات؛ إذ يجعل أي تصعيد في جبهة قابلاً لأن تكون له تداعيات في جبهات أخرى، ويجعل الأطراف الإقليمية والدولية مضطرة إلى التعامل مع المشهد باعتباره منظومة مترابطة بدل ملفات منفصلة.

الملف اليمني .. الحصار باعتباره جوهر القضية الوطنية

بعد الانتقال بين الدوائر الإقليمية والدولية، يعود الخطاب إلى القضية اليمنية بصورة مباشرة، عبر التركيز على الحصار والاحتلال والقيود المفروضة على الحركة والموارد،  وهنا تظهر عبارة “حق الشعب اليمني وقضيته العادلة” لتعيد مركزية الداخل اليمني إلى صدارة الرسائل، ويضع السيد القائد الحصار في إطار يتجاوز الجانب الاقتصادي؛ فهو يقدمه باعتباره أداة سياسية واستراتيجية للضغط على الشعب اليمني، خصوصًا عندما يتصل بالمطارات والرحلات الجوية واحتياجات المرضى والمسافرين والثروات الوطنية، ومن هذه الزاوية، يصبح رفع الحصار في الرؤية التي يعرضها الخطاب ليس مجرد إجراء إنساني أو اقتصادي، بل استحقاقًا سياديًا وسياسيًا، وتبرز هنا محاولة واضحة لربط المعاناة اليومية للمواطن اليمني بالصراع السياسي الأكبر، بحيث يصبح ملف المطار والموارد والثروات جزءًا من قضية الاستقلال، وليس مجرد ملفات خدمية منفصلة.

العدو السعودي في قلب الرسالة اليمنية

يتعامل السيد القائد مع العدو السعودي باعتباره الطرف المباشر في معادلة الحصار والضغط على اليمن، وفي الوقت نفسه يضع هذا الدور ضمن علاقة أوسع مع العدو الصهيوأمريكي ، وبذلك لا يُقدَّم الصراع السعودي اليمني باعتباره نزاعًا حدوديًا أو خلافًا ثنائيًا فحسب، بل باعتباره، وفق رؤية الخطاب، جزءًا من صراع على القرار والسيادة ومستقبل المنطقة، ويحمل وصف استمرار الحصار بأنه “ظلم وطغيان” وظيفة تعبئة سياسية واضحة؛ فهو يحول الإجراءات الاقتصادية والعسكرية إلى قضية أخلاقية، ويضع الطرف المقابل في موقع المسؤولية عن النتائج المترتبة على استمرارها،  كما يربط الخطاب بين الحصار والتحشيد العسكري ومحاولات تفكيك الداخل اليمني، بما يعني أن الضغط لا يجري عبر مسار واحد، وإنما عبر حزمة متزامنة من الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

“الحصار بالحصار”.. انتقال المعادلة من الاحتجاج إلى الردع

من أكثر النقاط حساسية في الرسائل التأكيد على “صوابية خيار الشعب اليمني، في اعتماد معادلة الحصار بالحصار، وفي الاستهداف للتحشيد العسكري”، وتحمل هذه العبارة دلالة استراتيجية تتجاوز الموقف السياسي التقليدي؛ إذ تعني، أن استمرار الضغط على اليمن سيقابله ضغط مضاد، وأن تكلفة الحصار لن تبقى محصورة داخل الجغرافيا اليمنية،  وسيواجه العدو السعودي نتائج وتبعات تعنته.

البعد التعبوي.. من الخطاب السياسي إلى بناء الصمود الشعبي

تعود الرسائل في ختامها إلى الجمهور اليمني بالدعوة إلى الاستعانة بالله والتوكل عليه وتكثيف الجهود لاستعادة الحقوق، وهذه الخاتمة ذات أهمية كبيرة من الناحية التعبوية؛ لأنها تربط الإيمان بالفعل السياسي والميداني،  فالمولد النبوي في هذا السياق يتحول إلى مناسبة لإعادة شحن الوعي الجمعي، واستحضار السيرة النبوية باعتبارها مصدرًا للقيم والمبادئ والقدرة على الصمود في مواجهة التحديات، وبذلك تتداخل ثلاثة مستويات في الخطاب، المستوى الديني من خلال التمسك بالهوية الإيمانية والمسيرة القرآنية، والمستوى الوطني بالدفاع عن السيادة والاستقلال وإنهاء الحصار، والمستوى الإقليمي بدعم فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، وهذا التداخل هو الذي يمنح الرسائل قدرتها على مخاطبة جمهور متعدد الاهتمامات، من المواطن الذي يركز على الوضع الداخلي، إلى المتابع للقضية الفلسطينية، وصولًا إلى الجمهور الذي ينظر إلى الصراع من زاوية إقليمية ودولية.

خريطة سياسية متكاملة

عند قراءة الرسائل بصورة مترابطة، يمكن استخلاص خريطة واضحة للأولويات التي يطرحها الخطاب ، بدأ بالهوية التي تعتبر نقطة الانطلاق، والاستقلال كهدف وطني، وفلسطين باعتبارها القضية المركزية في البعد الإسلامي،
ووحدة الساحات باعتبارها الإطار الإقليمي، ومواجهة المشروع الصهيوأمريكي،  ورفع الحصار باعتباره الاستحقاق اليمني المباشر، والردع هو الأداة التي يرى السيد القائد أنها قادرة على فرض المعادلة الجديدة، وبهذا المعنى، فإن الخطاب لا يقدم مجموعة مواقف منفصلة، وإنما يحاول بناء سردية سياسية واحدة تتدرج من الإنسان اليمني وهويته، إلى اليمن وسيادته، ثم فلسطين والمنطقة، وصولًا إلى النظام الدولي.

ختاما ..

في المحصلة، يمكن قراءة رسائل السيد عبدالملك الحوثي حفظه الله في مناسبة المولد النبوي باعتبارها رسائل تثبيت وإعادة تعريف للأولويات أكثر من كونها رسائل ظرفية، فهي تؤكد، وفق مضمونها، أن الهوية الإيمانية تمثل أساس المشروع السياسي، وأن الاستقلال الوطني ليس قابلًا للمساومة، وأن فلسطين تحتل موقعًا مركزيًا في الرؤية الإقليمية، في حين يبقى الحصار والقرار السيادي في صدارة القضية اليمنية، واللافت أن الرسائل تنتهي من النقطة التي بدأ منها الخطاب، الإيمان بوصفه مصدرًا للصمود، والصمود بوصفه طريقًا لتحقيق الأهداف السياسية، وبين البداية التي تؤكد التمسك بالهوية والاستقلال، والنهاية التي تدعو إلى التوكل على الله وتكثيف الجهود لاستعادة الحقوق، يرسم الخطاب مسارًا متكاملًا يقوم على ثلاثة عناوين رئيسية،  الثبات في الموقف، وتوسيع دائرة المواجهة السياسية، والاعتماد على الصمود باعتباره وسيلة لفرض معادلة جديدة، وهكذا يتحول خطاب المولد النبوي، في قراءته السياسية، إلى منصة لإعادة تأكيد الثوابت، وتوجيه الرسائل إلى الداخل اليمني والخارج الإقليمي والدولي في آن واحد؛ بما يجعل المناسبة الدينية مساحة لإعادة صياغة الموقف من الحرب والحصار وفلسطين والتحولات الجارية في المنطقة، والتأكيد على أن المرحلة المقبلة، ستُبنى على قاعدة عدم التراجع عن الخيارات المعلنة مهما ارتفع مستوى الضغوط والتحديات.