المولد النبوي في اليمن.. حين تتحول الحشود إلى رسالة تتجاوز حدود المناسبة .. مشهد إيماني يمتد من صنعاء إلى مختلف المحافظات الحرة
أفق نيوز| طارق الحمامي
في صنعاء ومختلف المحافظات الحرة، لا تبدو مشاهد الحضور الجماهيري في إحياء ذكرى المولد النبوي مجرد احتفاء بمناسبة دينية، بل مشهداً واسعاً تتقاطع فيه العقيدة مع الهوية، والتاريخ مع السياسة، والوجدان الشعبي مع رسائل المرحلة، فالحشود المتوافدة إلى ميادين الاحتفال لا تُقرأ، في الخطاب المرافق للمناسبة، بوصفها مجرد تجمعات جماهيرية ضخمة، وإنما باعتبارها تعبيراً عن حالة إيمانية ووجدانية جماعية ترى في الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرجعية للهوية والقيم، وفي إحياء مولده مناسبة لتجديد الارتباط به وترجمة هذا الارتباط إلى حضور شعبي واسع في مختلف الساحات.
اليمن .. جغرافيا واحدة وذاكرة مشتركة
من صنعاء إلى صعدة، ومن الحديدة وحجة والمحويت إلى عمران وذمار وإب وتعز والبيضاء وريمة والجوف وغيرها، تتشكل لوحة جماهيرية متعددة الجغرافيا، لكنها تلتقي حول مناسبة واحدة ورمزية واحدة، وهنا تتجاوز المناسبة حدود المحافظة أو المدينة، لتتحول إلى حالة وطنية جامعة في المناطق التي تشهد إحياءها، بما يعكس قدرة المناسبة على جمع مختلف الشرائح الاجتماعية حول مرجعية دينية وذاكرة تاريخية مشتركة، كما أن اتساع رقعة الفعاليات يمنح المشهد دلالة إضافية؛ فالمولد لا يظهر كحدث محلي محدود، وإنما كظاهرة جماهيرية واسعة تمتد عبر المحافظات، وتعيد إنتاج الشعور بالانتماء إلى هوية يمنية ذات جذور دينية وتاريخية عميقة.
من الاحتفال إلى الرسالة السياسية
تكمن إحدى أبرز دلالات المشهد في أن المولد يتحول، إلى جانب وظيفته الدينية، إلى مساحة لإيصال رسائل سياسية واجتماعية، فالحشود الجماهيرية الكبرى في سياق الصراع اليمني والإقليمي تمثل مؤشراً على القدرة على التنظيم والتعبئة، كما تتحول صورتها إلى رسالة بصرية تختصر كثيراً من البيانات والخطابات، وعلى المستوى الداخلي، يعكس المشهد استمرار الحضور الشعبي للمشروع القرآني، وقدرته على حشد قطاعات واسعة من المجتمع، أما خارجياً، فتقدم هذه الحشود صورة عن يمن يريد أن يؤكد استقلال قراره السياسي، ورفضه لما يعتبره تبعية أو إملاءات خارجية.
القيادة.. عنوان للثبات والاستمرار
يحتل السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله موقعاً مركزياً في الخطاب المرتبط بالمناسبة، حيث تُقدَّم قيادته باعتبارها عنواناً لمشروع الثبات والمواجهة والاستقلال، ومن هنا، فإن الحضور الجماهيري لا يُفهم فقط باعتباره احتفاءً بالمولد، وإنما أيضاً باعتباره تعبيراً عن الالتفاف حول منظومة سياسية وفكرية ترى في القيادة أحد عناوين استمرارها، ويمنح هذا البعد المشهد وظيفة سياسية إضافية، تتمثل في إعادة تأكيد وحدة الخطاب والاتجاه العام في مختلف المحافظات التي تشهد الفعاليات.
فلسطين .. من اليمن إلى الإقليم
لا ينفصل الخطاب عن القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، فربط المولد بمواجهة العدو الإسرائيلي ورفض التطبيع يمنح المناسبة بعداً يتجاوز الشأن اليمني، ويحولها إلى منصة لإعلان موقف من طبيعة النظام الإقليمي والتحالفات القائمة فيه، ومن هذه الزاوية، تصبح فلسطين جزءاً من الرسالة التي يحملها المشهد، التأكيد على أن الارتباط بالقضايا الإسلامية، وفق الخطاب، لا يتوقف عند الحدود الجغرافية، وأن الهوية الدينية تُترجم إلى مواقف سياسية تجاه قضايا المنطقة.
التاريخ .. استدعاء الماضي لصناعة الحاضر
يستحضر الخطاب رموز الأنصار والأوس والخزرج وآل البيت عليهم السلام، في ربط الحاضر بذاكرة إسلامية عميقة، فالتاريخ هنا لا يُستدعى لمجرد التذكير، وإنما ليمنح الموقف المعاصر معنى ورمزية؛ إذ يُقدَّم اليمنيون باعتبارهم امتداداً لدور تاريخي ارتبط بنصرة الرسول والإسلام، وبذلك تتحول الذاكرة التاريخية إلى عنصر من عناصر بناء الهوية الجماعية، وإلى مصدر للقوة المعنوية التي تسعى المناسبة إلى ترسيخها.
الحشود .. ظاهرة غير مسبوقة
إلى جانب بعدها السياسي، تحمل الحشود دلالة اجتماعية واضحة، فالمناسبات الدينية الكبرى تمنح المشاركين شعوراً بالانتماء والتضامن، وتعيد إنتاج الروابط الاجتماعية والذاكرة المشتركة، وفي ظل سنوات العدوان والحصار، تصبح مثل هذه الفعاليات مساحة لاستعادة الشعور بالقوة الجماعية والقدرة على الاجتماع حول رمز وحدث مشترك، أما إعلامياً، فإن اتساع المشهد جغرافياً يمنحه قيمة مضاعفة؛ فالصورة القادمة من ميادين صنعاء والمحافظات الحرة تتحول إلى رسالة إعلامية متكاملة، تختصر حجم الحضور والتنظيم والهوية والرسالة السياسية.
ختاما ..
إن إحياء المولد النبوي في صنعاء ومختلف المحافظات الحرة، وفق دلالات الخطاب المحيط بالمناسبة، يتجاوز حدود الاحتفال الديني ليصبح حدثاً متعدد الأبعاد تتداخل فيه العقيدة والهوية والتاريخ والسياسة والإعلام والمجتمع، فالمشهد يحمل رسالة إيمانية تؤكد الارتباط بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ورسالة هوياتية تعزز الانتماء، ورسالة سياسية تؤكد الاستقلال ورفض التبعية، ورسالة إقليمية تربط الموقف اليمني بالقضية الفلسطينية وقضايا الأمة، وهكذا تتحول ميادين صنعاء ومختلف المحافظات الحرة إلى مساحة واحدة تتعدد فيها الجغرافيا وتتوحّد فيها الرمزية؛ لتؤكد، أن المولد النبوي لم يعد مجرد ذكرى تستعاد كل عام، بل مناسبة لإعادة إنتاج الهوية، وتجديد الذاكرة، وتعزيز التماسك الجماهيري، وتقديم صورة عن يمن يرى في إيمانه وتاريخه واستقلال قراره عناصر مترابطة في مواجهة تحديات المرحلة.