طالما أنك يمني
أفق نيوز| عفاف البعداني
حدث لم تبثه القنوات، ولم يقله المذياع، ولم يرسله أي محلل سياسي أو كاتب متفرس. شيء متزن، لا يمثله عقل منفك ولا متعصب عاثر، شيء عظيم أبحث عنه؛ موجود وليس واضحا، قريب وبعيد، مخبأ بين جذور الإلهام وأنياب التفكير، وربما في جيب مفتوح لم تمسكه أي امرأة. جنون؟ حياة؟ ذهول؟ شرود؟ ربما هو عويل آخر رصاصة في فم بندقية خاسرة، جاءت لتكشف الحقيقة. حقيقة ماذا؟ دعك من النبش هنا.
ماذا تفعل الآن؟ الوجود يريد من جسدك أن يكون ألف واحد في وطنك؛ أن تَطعم الملح في البحر، وأن تستخرج الحب من وسط الصخور. فأين حظك من هذا المشهد؟ ما زلت تنتف رموشك، وتتمنى نومك وشرابك وحسناءك هذه الليلة.
لكن العتمة سقطت هذا الصباح، وكان سقوطها ثباتا آخرا، أتدفق كلي من أعلى تلة، كسرب حمام مسافر لا إلى مكان، سوى إلى جثث ممددة لا تجيد البكاء، القدور، الطسوت، النفايات… كيف ستدفنها الأرض؟ وكيف ستحللها بعد زمن؟ أعدهم مئة ألف، وربما أكثر، لا أعلم كم قانونا روجت له المواثيق، ولا كم اتفاقية ماتت قبل أن تصل إلى أفواه أصحابها. أتحسس نفسي لأتأكد من أنني ما زلت أتنفس. مخدرون بالموت. وأنا التي يفترض بي أن أقلب بطاقاتهم، أرى أعمارهم، صورهم، مدنهم… ثم أكتشف أنهم لم يكونوا أرقاما قط، كانوا أبناء هذه الأرض، البالغين منها، الذين كان لكل واحد منهم أم تنتظره، وبيت يعرف خطواته، واسم تناديه به امرأة ما. لتسقط الآن كل مثاليات العالم. تسقط الدول والسفارات التي أشبعتنا تنظيرا للحرية في الجنوب، وتسقط بياناتها المصقولة أمام جسد لا يستطيع أن يرفع رأسه.
ماذا تقول وأنت ترى طيرانا قريبا يتغوط في السماء، ثم يهوي على عظام أبناء بلدك ليفجرها؟ هنا تتضح المسرحية، وفي هذه اللحظة يتقدم الحذاء الرسمي، ثم يظهر قرار انسحابه، فارا ببدنه كفأر من مطبخ مكشوف، بينما لا يفهم البقية بعد كيف يحددون مسارهم العدائي، أتؤمنون بقضية فلسطين؟ فلماذا لا يصبح عدوها عدوكم؟ لماذا لا نمضي نحو عدو واحد خارج هذه الأرض؟ فقضيتنا ليست قتل الجنوب. أيقتل المرء يده من سائر جسده؟!
لا أخفيكم أنني أتحدث الآن وأنا غائبة. السائق عربي، والقطار ضائع، وداخله ركاب ماتوا في القرن السابع، يحتفلون بزامل حقيقي أخرجه الإنسان اليمني من صدره، كما لو أن الزمن لم يستطع أن ينتزع منه شيئا سوى المزيد من التعب، فعلا، يبدو أن الأبناء يرثون جنون أسلافهم: جنون التعب، وجنون الاستمرار، نحيف، أسمر، لا يأكل السمك مرتين في الأسبوع، يمرض ألف مرة ثم يتعافى بلا دواء، لا يملك ثمن أذن ثانية ولا عين أخرى، ولا حتى مهر امرأة؛ لكنه يصلي الفجر ولا ينام. يحمل جوبعته، وبندقيته، وإيمانه الذي لا يُنتزع، يا سادة، كان اليمني الرقم الصعب في المعاناة، والرجل الأصعب في المعركة.
ولهذا يعود العدوان السعودي فيرخي مأزره، ويسقط الحياء منه، فيصدقه الكثيرون، تظهر عورته أمام الجميع، فيصلي البعض بلا وضوء كي ينتصروا على الحوثيين في اليمن، كما صلوا بالأمس لأجل السودان. الشياطين تغني بصوت مرتفع، والخوف يتكاثف رغم وجود الذخيرة، لكنني لا أريد بهذا التفكير أن أكسبهم مزيدا من الموت، الفارون منهم ستحل عليهم لعنة البقاء فلندع كل هذه المفارقات التفسيرية جانبا، ولننظر إلى ما فعلته نخبتنا اليمنية، صدر إعفاء شامل للأسرى، لا يريدون سوى حل يصلون به إلى تفاهم مع الجنوب، ولكن… آن أن يفهم المرتزق هذا، عموما، لندع الموتى يحكون للأحياء كيف انتهت قصتهم، فكل ما أريده الآن هو أحقية وجود هذا الشعب، ووجود جمهورية يمنية تسطع بعنفوان عتر وحمير ومعين وسبأ، وتقول بلقيس: إلى ماذا ترجعون يا أهل اليمن؟ نرجع إلى أسطورة ضياء، وإلى رسالة سيد مقدام؛ جاء، فجاء كل الخير معه، نعود إلى المجاهد الذي ترك المنزل والأرض والبيت والأخت والزوجة والأبناء، ليحمل هم أمته وحده، لا أريد الآن أنصاف رجال.
لا أريد الذين يشربون السجائر بكل أريحية، ويضعون الملاخيخ فوق آذانهم، كأن الانتصارات لا تعنيهم. لا أريد الذين يتجادلون ليلا حتى تجف شفاههم، ولا البائعين في المحلات، ولا النساء اللواتي يبايعن حتى يكره البائع نفسه وبضاعته، ولا الفتيات اللواتي يكتبن:(الله ينصر الجنوب!) ولا أولئك الذين يقولون إن كل هذه الأحداث مجرد فبركة، ليس ضروريا أن تحبوا السياسة، ولا أن تحبوا السيد والأنصار، لكن واجهوا حقيقتكم، تأملوا المضَلل حين يعجز عن تغيير الواقع؛ يبدأ بتغيير أسماء الأشياء، الهزيمة تصبح تسليما، والانكسار يصبح مناورة، والخسارة تصبح انتصارا مؤجلا، وهنا تكون المشكلة في مستوى الوعي قبل أن تكون في نتيجة المعركة. وكما قال تعالى: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾.