كلمة السيد القائد .. ذاكرة الجريمة في مواجهة رواية العدوان
أفق نيوز| طارق الحمامي
بعد عشرة أعوام على مجزرة الصالة الكبرى بصنعاء، جاءت كلمة قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي حفظه الله لتعيد فتح ملف العدوان على اليمن من بوابة الجريمة والذاكرة، واضعةً ما وصفه بـ”ألد الخصام” في مواجهة سجل طويل من الدماء والدمار، ولم تكن الذكرى، في مضمون الكلمة، مجرد استعادة لحادثة مضت، بل مناسبة لإعادة ترتيب صورة العدوان الحقيقية ومساءلة العناوين التي رُفعت لتبريرها.
الصالة الكبرى.. جريمة لا يسمح الزمن بطمسها
استعاد السيد القائد مجزرة عزاء آل الرويشان، التي وقعت في العاصمة صنعاء عام 2016، مستحضرًا حصيلتها الثقيلة التي تجاوزت ألف شهيد وجريح، ومؤكدًا أن الاستهداف طال تجمعًا كبيرًا بقصد إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا،
وتكتسب هذه الذكرى دلالتها من طبيعة المكان والحدث؛ فالصالة لم تكن موقعًا عسكريًا أو جبهة قتال، بل مجلس عزاء اجتمع فيه اليمنيون لتشييع موتاهم، قبل أن يتحول المكان إلى واحدة من أكثر صور العدوان على اليمن وحشية، ومن هنا يربط الخطاب بين الجريمة وذاكرة المجتمع، باعتبار أن مرور السنوات لا يعني سقوط الحق في التذكير والمساءلة.
من الصالة إلى عطان وضحيان وسنبان.. سجل واحد في الخطاب
لم يحصر السيد القائد حديثه في الصالة الكبرى، بل استعرض سلسلة من الجرائم التي يرى أنها تكشف نمطًا مستمرًا في استهداف اليمنيين، مستحضرًا جريمة قنبلة عطان وما خلفته من دمار في مساكن المواطنين، وجريمة حافلة أطفال ضحيان، التي قال إن المعتدي حاول تقديم ضحاياها بوصفهم خبراء عسكريين قبل أن تتضح حقيقة أنهم أطفال وطلاب، كما استعاد جريمة استهداف عرس سنبان في ذمار، التي أوقعت عشرات الشهداء والجرحى، في إشارة إلى أن الاستهداف، وفق رواية الخطاب، لم يميز بين مناسبة عزاء وفرح، ولا بين منزل وسوق ومدرسة وتجمع مدني، وهكذا تتحول الوقائع المتعددة إلى سياق واحد، عدوان لم تتوقف آثاره عند خطوط المواجهة، وإنما وصلت إلى قلب الحياة الاجتماعية اليمنية.
المفارقة السعودية.. راية دينية وسيف في اتجاه آخر
أكثر محاور الكلمة حدة تمثل في تفكيك الصورة التي يقدم بها العدو السعودي نفسه بوصفه حاملًا للراية الإسلامية والمدافع عن المقدسات،
ويطرح السيد القائد مفارقة مباشرة، إذا كان السيف المرسوم على العلم السعودي رمزًا للقوة والدفاع، فأين كان هذا السيف عندما كان العدو الصهيوأمريكي ولا يزال في موقع الخصومة مع قضايا الأمة؟ ولماذا، ظهر استخدام القوة العسكرية في اليمن بينما غابت في نصرة غزة ؟
بهذه المقارنة ينتقل الخطاب من نقد العدوان إلى نقد الشرعية الرمزية التي تحاول الرياض، إحاطة سياستها بها؛ فالمعيار الذي يقدمه الخطاب ليس الشعارات، وإنما السلوك والممارسة والنتائج.
إسقاط القناع الديني
يذهب السيد القائد إلى أبعد من ذلك عندما يرفض أن يكون النظام السعودي ممثلًا للسنة المحمدية أو للمذهب السني، ويصف نهجه بأنه أقرب إلى النهج الصهيوني. وهذه من أكثر الرسائل الفكرية والسياسية حساسية في الكلمة، لأنها تستهدف الفصل بين الإسلام كدين وقيم، وبين توظيف العناوين الدينية في السياسة، والرسالة المركزية هنا أن قتل الأطفال والنساء، واستهداف التجمعات المدنية، لا يمكن أن ينسجم مع عنوان حماية المقدسات أو الدفاع عن الإسلام.
الغطاء الأمريكي .. الحرب كمنظومة لا كقرار منفرد
تربط الكلمة المسار السعودي بالدعم الأمريكي والبريطاني، وتطرح أن اعتماد المعتدي على القوى الغربية لم يكن تفصيلًا هامشيًا، بل عنصرًا أساسيًا في استمرار العدوان، وبذلك يعيد الخطاب تعريف المواجهة باعتبارها صراعًا متعدد الأطراف، لا مجرد مواجهة يمنية مع العدو السعودي وحده، ويضع المسؤولية السياسية والعسكرية ضمن شبكة أوسع من التحالفات والغطاءات.
الإعلام.. المعركة الثانية بعد الميدان
تخصص الكلمة مساحة واضحة للإعلام، خصوصًا في الدعوة إلى نشر المشاهد التي توثق الجرائم، وهذه ليست دعوة توثيقية فحسب؛ بل تعكس إدراكًا بأن الحرب لا تُحسم بالصواريخ وحدها، وإنما أيضًا بالرواية التي تفسر للناس ما حدث، فالأسواق، أماكن طبيعية لالتقاء المجتمع، وليس من المقبول تحويل المدنيين فيها إلى أهداف عسكرية عبر توصيفات إعلامية تنزع عنهم صفتهم المدنية، ومن هنا تصبح الصورة والشهادة والوثيقة جزءًا من معركة الوعي، لأن تغييب الضحية إعلاميًا يعني، في نهاية المطاف، محاولة طمس الجريمة نفسها.
الرهان على كسر الإرادة.. والنتيجة المعاكسة
في أخطر رسائل الكلمة، يؤكد السيد القائد أن استهداف اليمنيين بهدف إخضاعهم وكسر إرادتهم لن يحقق غايته، بل يرى أن تصاعد الضحايا يعزز قناعة المجتمع بمظلوميته، ويدفعه إلى مزيد من التماسك والاندفاع، ويستحضر في هذا السياق الموقف القبلي والاجتماعي، باعتباره مؤشرًا على أن العدوان لم ينجح في فصل المجتمع عن قضيته، بل دفع مكونات اجتماعية إلى إعلان مواقفها الرافضة للعدوان وخيانة الوطن.
ختاما ..
تكشف الكلمة عن معركة تتجاوز الطائرات والصواريخ إلى الذاكرة والوعي والرواية والإرادة. فالصالة الكبرى، في مضمون الخطاب، ليست ذكرى لجريمة مضت، وإنما عنوان لسلسلة من الوقائع التي يُراد إبقاؤها حاضرة في الوعي اليمني، وفي المقابل، فإن الرسالة الأبرز التي تخرج بها الكلمة هي أن الرهان على إسكات المجتمع بالدمار لا يعني بالضرورة إسقاط القضية؛ فكلما استُحضرت صور الضحايا، واستعيدت وقائع الأسواق والأعراس والأحياء وحافلة الأطفال، يتجدد السؤال عن طبيعة الحرب، وعن الفارق بين الشعارات المرفوعة والممارسة على الأرض، وبهذا المعنى، تحولت الذكرى العاشرة للصالة الكبرى من مناسبة لاستعادة الماضي إلى منصة لإعادة طرح سؤال الحاضر، هل استطاعت عشر سنوات من العدوان أن تطمس الذاكرة اليمنية، أم أن الذاكرة نفسها أصبحت جزءًا من معركة الصمود؟