أفق نيوز
الخبر بلا حدود

طوفان الأقصى.. حين انقلبت المعادلة وامتدّ الطوفان إلى جبهات الإسناد

56

أفق نيوز| وفاء الكبسي

ليست كلُّ المعارك تبدأ حين تُطلق الرصاصة الأولى، فبعض المعارك تبدأ حين تنكسر في الوعي صورةٌ ظلت تُقدَّم لسنوات باعتبارها حقيقةً لا تُمس.
وفي السابع من أكتوبر 2023، لم يكن العالم أمام حدثٍ عسكري عابر؛ كان أمام لحظةٍ اهتزت فيها صورةٌ كاملة، وانفتح فيها المشهد الفلسطيني على مرحلةٍ جديدة، حملت اسمًا صار علامةً في ذاكرة الصراع: طوفان الأقصى.
فمن قلب غزة، خرجت عمليةٌ مفاجئةٌ أربكت الحسابات الإسرائيلية، واخترقت الحواجز والتحصينات، وبدّلت خلال ساعاتٍ كثيرةً من معادلات القوة التي بدا أنها استقرت طويلًا.
ولم يكن الطوفان مجرد عبورٍ للحواجز؛ بل كان عبورًا من صورةٍ إلى صورة، ومن مرحلةٍ إلى أخرى، ومن حالةٍ اعتاد فيها الاحتلال أن يفرض إيقاع المشهد، إلى مشهدٍ وجد نفسه فيه أمام مفاجأةٍ لم تكن في حساباته.

أولًا: طوفان الأقصى.. يوم اهتزّت الصورة
جاءت العملية في توقيتٍ شديد الحساسية، وبعد سنواتٍ من التصعيد والاقتحامات والاستيطان والحصار والاعتقالات، وفي ظل واقعٍ فلسطيني بدا محاصرًا بين انسداد الأفق السياسي واستمرار الاحتلال.
وكانت المفاجأة أحد أبرز عناصرها؛ إذ تمكنت المقاومة الفلسطينية من تنفيذ هجوم واسع من البر والبحر والجو، والوصول إلى مواقع ومستوطنات ومواقع عسكرية داخل المناطق المحاذية لقطاع غزة.
وفي ذلك اليوم، لم تكن الصدمة في حجم العملية وحده، وإنما في انهيار الصورة التي صنعتها المنظومة الأمنية الإسرائيلية عن قدرتها على الإحاطة بغزة والسيطرة على مفاجآتها.
فإذا كانت الجدران قد بُنيت لمنع العبور، فإن الطوفان أثبت أن الجدار لا يصنع أمنًا دائمًا، وأن التفوق التقني لا يعني بالضرورة امتلاك زمام التاريخ.

ثانيًا: لماذا جاء الطوفان؟
لم يهبط طوفان الأقصى من فراغ، ولم يكن وليد لحظةٍ منفصلةٍ عن سياقها؛ فالوقائع التي سبقته كانت تتراكم عامًا بعد عام.
اغتيالات، واعتقالات، واقتحامات، وتوسع استيطاني، وتهويدٌ متواصل، وحصارٌ طال غزة، وتضييقٌ على الفلسطينيين في القدس والضفة، واقتحاماتٌ للمسجد الأقصى، وانسدادٌ سياسي جعل الاحتلال واقعًا ممتدًا بلا أفقٍ واضح للحل.
وفي قلب ذلك كله بقي الأقصى حاضرًا بوصفه رمزًا يتجاوز المكان، وبقي الفلسطيني يرى أمامه أرضًا تُنتزع، وبيوتًا تُهدم، وأسرًا تُفجع، وأجيالًا تنشأ تحت الاحتلال.
ثم جاءت التحولات الإقليمية، ومسارات التطبيع، ومحاولات إعادة ترتيب المنطقة بعيدًا عن جوهر القضية الفلسطينية، لتضيف شعورًا فلسطينيًا بأن القضية تُدفع إلى هامش المشهد، وأن الزمن يعمل لصالح تثبيت واقع الاحتلال.
ومن هنا يمكن قراءة الطوفان باعتباره انفجارًا في سياقٍ طويل من التراكمات، لا حدثًا منفصلًا عن بيئته السياسية والميدانية.
فحين يُغلق باب السياسة، وتتراكم المظالم، ويستمر الاحتلال، يصبح انفجار الواقع مسألة وقت.
ثالثًا: غزة.. الإنسان الذي يقف خلف الأرقام
لكن أخطر ما يمكن أن تفعله الحروب أن تحوّل الإنسان إلى رقم.
وراء كل رقمٍ في غزة أمٌّ تبحث عن طفلها، وطفلٌ يبحث عن أبيه، وبيتٌ كان يحمل ذاكرة أسرة، ومدرسةٌ كانت تمتلئ بالأصوات، وشارعٌ كانت له حكاية.
ولهذا فإن قراءة طوفان الأقصى لا تكتمل عند حدود الخريطة العسكرية؛ فثمة إنسانٌ فلسطيني عاش سنواتٍ من الحصار والخوف والاقتلاع، ثم وجد نفسه أمام حربٍ واسعةٍ غيّرت تفاصيل حياته، ودفعت بمئات الآلاف إلى النزوح، وخلّفت أعدادًا هائلة من القتلى والجرحى والدمار.
وهنا يصبح السؤال الأخلاقي حاضرًا بقوة:
ماذا يحدث للإنسان حين تتحول الحرب إلى واقعٍ يومي؟
غزة لم تكن في الطوفان مجرد جغرافيا؛ كانت إنسانًا يُختبر أمام العالم، وكانت أمًّا تودّع، وطفلًا ينام على صوت القصف، وطبيبًا يعمل وسط الركام، وأسرةً تحمل ما تبقى من بيتها وتمضي.
ولهذا بقيت غزة حاضرةً في الضمير العالمي، لا بوصفها عنوانًا سياسيًا فحسب، وإنما بوصفها مأساةً إنسانيةً مفتوحة.
رابعًا: الطوفان.. ومعركة الوعي والرواية
لم تكن الحرب في غزة حرب سلاحٍ فقط؛ كانت كذلك حربًا على الصورة، والرواية، والوعي.
ففي زمنٍ يستطيع فيه الهاتف المحمول أن ينقل المشهد من تحت الركام إلى ملايين البشر في اللحظة نفسها، لم تعد الرواية الرسمية وحدها قادرةً على احتكار الصورة.
صور الأطفال، والمستشفيات، والنازحين، والبيوت المدمرة، وأصوات الأمهات، والمشاهد القادمة من غزة، أصبحت جزءًا من معركةٍ أخرى: معركة تفسير ما يحدث، ومن يملك حق روايته.
وهنا ظهر بوضوح أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على الوعي.
فالإنسان الذي يرى المشهد بعينه، ويسمع صوته، ويتابع تفاصيله، يصبح قادرًا على طرح أسئلةٍ جديدة حول العدالة، والقانون، وحقوق الإنسان، وطبيعة القوة المستخدمة في الحرب.
لقد تحولت غزة إلى شاشةٍ مفتوحة على العالم، ووجدت الروايات المتنافسة نفسها أمام اختبار الصورة.