ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل.
لطالما تعلم الإنسان فنون الحياة، ومما حوله من الأحداث والتجارب، وإن التجربة باب المعرفة كما يقول الحكماء، ومن تلك الأسس انطلق الإنسان في خضم هذه الحياة، وتعاقبت العصور، وجرت مسيرة القرون، ومع ذلك كان للتعاليم الإلهية والشرائع السماوية دور محوري في حركة البشر في الحياة، ولعل هذا العصر أو المرحلة الأخيرة للبشرية، وبين هذا وذاك، تقف الأمة الإسلامية على مفترق طرق وعلى جرف هارٍ، في فترة أصبحت حضارة الشيطان هي الغالبة، وما ظُلم وقُتل بنو الإنسان إلا حين تمكن أتباع الشيطان.
ذلك الشيطان الذي انبطح له العالم، وسجدت له المصالح الجيوسياسية والاقتصادية والإعلامية، وخضعت له المنظومة الدينية لكل بني البشر، ولعلي بسائل يقول: ما كينونة هذا الشيطان؟
ولا غرابة! فشيطان العصر يتمثل عبر مؤسسة عالمية صهيونية تُدعى أمريكا والصهيونية اليهودية، وعليها تقوم المنظومة الإفسادية في الأرض، هذا من جهة شيطان العالم؛ أما قرنه ورأس فتنته فيتمثل في جماعة ومنظومة استعمارية نجدية، خرجت من المؤسسة البريطانية في مطلع القرن العشرين، ذات وجهة فكرية لا إسلامية وتنظيم علماني، حاول الدمج بين الدين وخدمة المقدسات، وبين الوظيفية الرسمية كجندي للمنظومة البريطانية آنفاً، الأمريكية حالياً.
إن الأحجية في عالم السياسة لشيء معيب، ولكنها حقيقة اللغز السعودي الذي ظل طيلة عقود منذ تأسيس المملكة العربية السعودية، وهي تسعى إلى خلق رؤية ذات شقين: طاعة أمريكية بقالب إسلامي، تحت غطاء الشريعة المحمدية.
إن المتأمل في الدويلة السعودية يجدها نظاماً اشتراكياً ملكياً، جمع بين الهوية السياسية الغربية والدعاية الدينية الإسلامية، وفي مراحل معينة عمل جاهداً لخدمة الصهيونية والكيان الإسرائيلي من تحت الطاولة، يؤيد ذلك العهد الذي قطعه عبد العزيز النجدي، المؤسس للمستعمرة البريطانية، بأحقية إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
ما أظهرته الأحداث الأخيرة عرّى النظام الوهابي، خصوصاً مع انطلاق شرارة معركة طوفان الأقصى التي أفسدت بضاعة التطبيع، وأعادت للقضية المحورية وجودها الحضاري والإنساني. ومع هذه المعركة المباركة، مثّل الدور السعودي دوراً سلبياً عبر العمل الدؤوب والطاعة للعدو الإسرائيلي، من خلال مجموعة من الأنشطة الدنيئة، إن صح التعبير، هذه الأنشطة التي وصفها سماحة السيد القائد عبد الملك بدر الدين (يحفظه الله) في كلمته بمناسبة الذكرى الثالثة لمعركة طوفان الأقصى، متمثلة في الجسر البري للعدو الإسرائيلي، وتصديه لهجمات وصواريخ اليمن المتجهة صوب كيان الاحتلال، وتوجيه الخطاب الإعلامي المعادي صوب المقاومة الإسلامية حماس، وجبهات محور المقاومة، وتحريك الماكينة الفكرية العلمائية لتشويه الجهاد ووضع خطاب يسيء للجهاد في سبيل الله وحركات المقاومة.
لقد سعى النظام السعودي إلى خلق واقع من العداء بين أبناء الأمة، يجلي ذلك عدوانه وحصاره على الشعب اليمني، لمدة أحد عشر عاماً، منذ مارس 2015م، حين شن عدواناً عسكرياً على اليمن، وحين لم يجد أهدافاً على الأرض يمكن تحقيقها، جنح لما سمي بمرحلة خفض التصعيد، والتي استمرت أربعة أعوام، في محاولة منه لإخضاع الشعب والقبول بكل ما يمليه الأمريكي على اليمن، خصوصاً موقف اليمن من غزة، ومساندته لمحور الجهاد في معركة الإسناد.
عاد السعودي إلى فرض حصار أشد وأنكى على الشعب اليمني، مما استدعى من الشعب وأبنائه الوقوف والتصدي له، وخلط كل أوراقه، والعمل على معادلة محورية (الحصار بالحصار)، التي لم يتمالك الكيان السعودي معها نفسه حتى خرق تلك الهدنة، ووضع شروطاً وإملاءات جديدة على هذا الشعب.
أمام الغطرسة السعودية، تحرك شعبنا وقواته المسلحة إلى خلط أوراق العدوان، وفرض حصار شامل على السعودي، واستهدافه في العمق، وهي خطوة يمنية أربكت حسابات العدوين الأمريكي والإسرائيلي، ناهيك عن السعودي، فعاد عدوانه من جديد، يستبيح كل شبر في اليمن، مستهدفاً الأعيان المدنية والأطفال والنساء.
هذا الأمر رفع سقف الاستهداف لدى قواتنا المسلحة باستهداف منشآته الحيوية ومطاراته، لم يجد السعودي سوى الادعاء باستهداف البيت الحرام والمدينة المنورة، خطوة وصفها مراقبون بأنها تمثل ذروة العجز السعودي أمام الصواريخ اليمنية، فعمد إلى نظام المعاهدات الإقليمية ليشترك معه التركي والباكستاني بشكل غير مباشر، وتنصل الأمريكي عن ذلك.
إن ما يدور اليوم من تخبط سعودي في أروقة العالم، يستغيث لإنقاذه من بحر اليمن المتلاطم، يذهب به بعيداً إلى البيت الأبيض الأمريكي، فلا يجد لديهم سوى تصريحات الطمأنة، ومن ثم العودة إلى التابوت الباكستاني والخلافة التركية، في تناقض جعل ابن سلمان يعيش تخبطاً لم يرَ له مثيلاً؛ فالمعادلة التي فرضها شعبنا على المطارات والبنى التحتية النفطية للسعودية، أعادت حسابات القوى، وفرضت معادلة المِثل، ليحرك عقبها السعودي تحشيداته، وتسقط تلك التحشيدات كالهباء المبثوث في الساحل الغربي، ومعارك تعز، يحاول ابن سلمان ومرتزقة الفنادق صنع انتصارات وهمية، تضلل الرأي العام لصرف الأنظار عما تتلقاه المملكة من ضربات صاروخية يمنية مزلزلة.
تتصاعد وتيرة الضربات اليمنية صوب المملكة، ويلجأ السعودي ليحتمي بمجلس الأمن، غير مدرك أنه لا يمكنه الفرار ما دام العدوان والحصار على شعب الإيمان والحكمة، وتحقق كامل الشروط التي أعلنت عنها صنعاء قبل التصعيد السعودي، وعلى الباغي تدور الدوائر.