تتأسس الفلسفة القرآنية في صراع الحق والباطل على كسر النواميس المادية المتهالكة التي تُقاس بها أوزان المعارك وحجم القوة؛ فلا يُعدُّ غيابُ الجسد في الميزان الإلهي انقطاعاً عن التأثير، ولا سيلانُ الدمِ الزكي ضياعاً للموقف والجهد، بل هو تحولٌ راديكاليٌّ في المعادلة الوجودية، وإعادة صياغةٍ لمسار التاريخ البشري، حيث يعلن الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
إنَّ البلاغة الإلهية حين تقرع أسماع التفكير المادي الغارق في وهم الحسابات الأرضية بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، إنما تزيح الستار عن حقيقة كبرى تكشف عمق الجهل الذي تُعاني منه قوى الاستكبار العالمي، وعلى رأسها أرباب العدوان الأمريكي والصهيوني.
فعندما يظن العدو أن سياسة اغتيال القادة واستهداف المجاهدين الأبرار في غزة ولبنان واليمن ستكسر إرادة المواجهة، أو تحاصر فكرة الجهاد، يأتي منطق الدم القرآني ليُسقط تلك الأوهام الاستكبارية في مهدها.
والشهادة في التصور الإيماني هي الفعل الوجودي الأعظم الذي يذل الفناء، ويطوي حدود الزمان والمكان، ليتحول الدم المنثور إلى سلطان غيبي وقوة ناعمة وقاسية في آنٍ واحد، تنفذ إلى وجدان الأمة، وتزلزل عروش الظالمين.
إن الشهيد بمفهومه القرآني الشامل لا يغادر خندق المواجهة برحيل جسده، بل ينهمك في صناعة النصر من موقعه الأبدي، فتتحول دماؤه إلى وقودٍ يمدّ الأجيال بالبصيرة، وسيفٍ مصلتٍ يقضُّ مضاجع الطغاة.
إنها البيعة الإلهية المطلقة التي لا تحتمل خيار الهزيمة أو النكوص: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾.
وهنا يتلاشى الموت بمفهومه الفلسفي التقليدي ليحل محله الارتقاء، وتتحول تضحيات أبطال اليمن ومحور المقاومة إلى شواهد حية تفضح عجز المنظومة الدولية، وتكشف زيف الادعاءات التي تتوارى خلفها قوى العدوان.
واليوم، وفي ظل الملاحم الأسطورية التي تخوضها الأمة، يبرهن الشهداء على أنهم الأحياء حقاً في واقعنا والفاعلون في مياديننا، يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم، ويدفعون الأمة نحو النهوض والحرية.
وهنا تكون الشهادة في سبيل الله أقصر الطرق لنيل العزة الإلهية، والغاية الأسمى التي يتوق إليها كل حر صادق يدرك أن الدم الطاهر هو الوحيد القادر على صنع المجد الخالد ودحر الباطل مهما تعاظم كبرياؤه.