القواعد السعودية المتقدمة.. استنساخ الإرهاب الوظيفي من وهابية “الغطغط” إلى “سلفية” اليمن
أفق نيوز| إبراهيم محمد الهمداني
إن قراءة وتفكيك بنية الإرهاب الوظيفي، في سياق تاريخ العنف الرسمي المنظم، يكشف بجلاء عن وحدة النسق الأيديولوجي العنصري، وواحدية سياق هيمنة التطرف والإبادة، بوصفها عملية تراكمية عبر التاريخ، وتقديمها كأحداث منفصلة عابرة، لا يعدو كونه خيانة للمجتمع الإنساني، واغتيالا للحضور الجمعي الشعبوي، بأنانية الزيف النخبوي الرسمي، ممثلا بقوة السلطة الإنسان (الملك) أو مركزية المكان، ولذلك يجب النظر إلى التاريخ، من خلال تموضعه على “خط بياني متصل”، يصل أحداث الماضي بمتغيرات الراهن، وعليه يمكن القول إن ما شهده اليمن، من حرب وتدمير وحصار شامل، على يد جارة السوء مملكة آل سعود، لا يخرج عن فعلها العدواني السالف قبل سبعة قرون، ولا يختلف في طبيعته الإجرامية وأهدافه الشيطانية، عن نظيره التوحشي في مجزرة “تنومة” بحق الحجاج اليمنيين، كما أن ما تقوم به مملكة الشر السعودية اليوم، من إنشاء قواعد عسكرية متقدمة في المخا وشبوة وغيرهما، ليس إلا استنساخا وتطويرا بنيويا لمشروع “الغطغط” الإجرامي، وإعادة إنتاج الإرهاب والتطرف عقيدة وسلوكا، في صورة جماعات وظيفية تكفيرية، تعتمد على المكون “السلفي” الأصولي اليمني، الذي تبنته ورعته مملكة الإرهاب السعودية، على مدى عقود من الزمن، محققة من خلاله “السلفية الوهابية” اليمنية، على غرار جماعات “الغطغط” الوهابية الوظيفية، التي نشأت في نجد والحجاز والجزيرة العربية، مطلع القرن العشرين، جاعلة من النموذج الجديد “سلفية الوهابية اليمنية”، امتدادا عقائديا وفكريا وسلوكيا، للنموذج القديم “وهابية الغطغط”، حيث تبرز واحدية التطرف الفكري، وتطابق السلوك الإرهابي الإلغائي، الذي يتحرك بوقود العنصرية والعداء المطلق، ويستمد وجوده من فتاوى التكفير، لخدمة أجندات ومشاريع الصهيونية، وقوى الهيمنة والاستكبار العالمية.
تستند المرجعية الأيديولوجية لجماعة “الغطغط” (إخوان من أطاع الله)، على استغلال وإنتاج نزعة التعصب، ومنطلق العداء المطلق والعنف، القائم على مفهوم “الجهاد الاستئصالي”، ضد الآخر المسلم فقط، دون التعرض لأعداء الإسلام والمسلمين، من اليهود والنصارى الذين أمر الله تعالى بعداوتهم، وبذلك جرى شحن أولئك البدو في “هِجرهم” الدينية، بفكرة أن كل من لا يدين بنسختهم العقائدية، ولا يتولى أميرهم ابن سعود، فهو مرتد ومشرك ومهدور الدم، حتى وصل بهم الأمر إلى أن تحولت بلاد المسلمين من حولهم “دار حرب”، يحل فيها القتل والغزو والنهب.
تكرر هذا النسق العقائدي المأزوم بحذافيره، في فواعل العدوان السعودي على اليمن، (النظام السعودي وعملائه الموالين له، على شرط الانتماء السلفي)، حيث انطلقت الآلة العسكرية والإعلامية لتحالف العدوان وعملائه، من سردية تكفيرية عدوانية إقصائية غطغطية محضة، تقدم المجتمع اليمني، بأنه مجتمع مارق خارج عن النظام العربي والإسلامي، وأن حكومة فنادق الرياض هي الشرعية، وأن التحشيدات السلفة الوهابية في نسختها اليمنية، هي الجيش اليمني وقواته المسلحة الرسمية، وأن طاعتها للسعودية هي التعبير الأمثل عن الحضن العربي، والتمثيل الصادق لإسلام خادم الحرمين، وحامي المقدسات الإسلامية، وأن القتال تحت إمرته هو الجهاد الإسلامي الحقيقي، بينما الجهاد في فلسطين ومواجهة اليهود الغاصبين، لا يعدو كونه حماقة وخروج عن طاعة ولي الأمر، لأنه لم يأمر بذلك، وعلى هذا النحو من التطرف الأيديولوجي، تماهت جماعات سلفية الوهابية اليمنية، مع مشروع عداء وتكفير قوى محور الجهاد والمقاومة، من غزة إلى اليمن والعراق ولبنان وإيران، جاعلة من نفسها خط الدفاع الأول عن الكيان الإسرائيلي الغاصب، ومشروع “إسرائيل الكبرى”، وفقا لمخرجات فتاوى التكفير، التي ترى في الآخر المخالف المسلم، عدوا مطلقا لا يمكن مهادنته، ويجوز – بل يجب – الاستعانة باليهود والنصارى في حربه والقضاء عليه، وهكذا تقوم “عقيدة التطرف”، بإسقاط صفة الإنسانية عن المخالف، وتقديم ممارسة التوحش والإبادة بحقه، بوصفها واجبا مقدسا ومهمة عظيمة، يتقرب بها القاتل إلى ربه، سواء كان هذا القاتل يمتطي جواداً في بادية نجد بالأمس، أو يقود مقاتلة حديثة تقصف المدن والأحياء السكنية اليوم.
إن ذلك التوحش “الغطغطي” الميداني، لم يكن ليحدث، لولا وجود أرضية تنظيرية، شرعنت الجريمة وهيأت لها الأذهان؛ وهنا تبرز ترسانة الخطاب الديني والإعلامي للعدوان، التي استدعت الإرث الغطغطي بكامل حمولته التكفيرية، لتشهد منصات الإفتاء والمنابر الرسمية، التابعة للمؤسسة الدينية الوهابية، صدور فتاوى صريحة ومبطنة، تسقط صفة الإسلام الصحيح عن اليمنيين، وتصف خصوم التحالف بـ “المجوس” و”الروافض” و”القرامطة الجدد”، وهي مصطلحات مشحونة تاريخيا بالعداء والدم والمحو، وقد تحولت هذه الفتاوى، إلى مستند شرعي يبرر القتل المباشر، حيث جرى تصوير المعركة في وسائل الإعلام الخليجية والعربية التابعة لها، على أنها أداء واجب “الجهاد المقدس”، لحماية العقيدة الإسلامية والأماكن المقدسة، من “الخطر اليمني” المزعوم.
ولم يقتصر فعل التحريض على النخبة الدينية، بل سُخرت وسائل الإعلام المقروء والمرئي، السعودية والخليجية والموالية والتابعة، لتنفيذ أسوأ حملة إعلامية عدائية، تبث خطاب كراهية ممنهج، وتستهدف شيطنة الإنسان اليمني، وتجريده من سماته الدينية والأخلاقية والحضارية، ومن خلال تلك الإمبراطورية الإعلامية المعادية، تم إنتاج سيل من البرامج والمواد الموجهة، التي تشرعن مجازر الإبادة الجماعية، بحق أبناء الشعب اليمني، وفي مقدمتهم الأطفال والنساء، وتحرض على الحصار الاقتصادي، وتعتبر تجويع الملايين خطوة مباركة، لكسر إرادتهم السياسية، جاعلة من استراتيجية التحريض الممنهج، غطاء سياسيا واجتماعيا – إقليميا ودوليا – لعملياتها العسكرية الإجرامية العدوانية، ودعما نفسيا وشحنا طائفيا للمقاتلين الميدانيين، القادمين عبر ترشيح قواعدها العسكرية المتقدمة، (القوات المشكلة من الجماعات السلفية المستقطبة حديثاً)، ما جعلهم يمارسون أبشع الانتهاكات والمداهمات، والقتل بضمير مستريح، بحق مخالفيهم في المناطق المحتلة، كما مارسوا أبشع وأقذر الجرائم والانتهاكات بحق الأسرى، بكل وسائل التعذيب والتنكيل والتمثيل بالجثث، في مخالفة صريحة لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وقوانين حقوق الإنسان وحقوق الأسرى، مجسدين عقيدة الإرهاب والتطرف اليهودي، التي تبيح القتل والحرق والإبادة والمحو بحق أعدائهم، تماماً كما كان يفعل مجرمو الغطغط، وهم يذبحون أبناء الجزيرة العربية، تحت وطأة الفتاوى الاستئصالية القديمة الجديدة.