أفق نيوز
الخبر بلا حدود

تطويق الجغرافيا وعسكرة الممرات.. واشنطن تلوّح بـ “خنق الحدود” وطهران تُدخل أوروبا في بنك الأهداف الباليستي

27

أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة 

في اليوم الثالث والأربعين بعد المائة من “مذكرة التفاهم” المنهارة، واليوم الثاني والخمسين والمائتين لاندلاع المواجهة، يتجه الصراع نحو هندسة عسكرية جديدة تتجاوز الاشتباكات الموضعية لتستهدف الشرايين الاستراتيجية والجيوسياسية. تشير المعطيات العملياتية إلى انتقال واشنطن من الاعتماد الحصري على القوة الجوية إلى محاولة “الخنق البري” لخطوط الإمداد الإيرانية، في وقت تدرك فيه طهران حدود القوة التدميرية الأمريكية تجاه منشآتها النووية، ما دفعها لتوسيع مظلة الردع الباليستي لتشمل القارة الأوروبية. يتزامن هذا الغليان الميداني مع هندسة سياسية متسارعة في تل أبيب، مدفوعة بضوء أخضر أمريكي لإنهاء حقبة بنيامين نتنياهو وتشكيل حكومة طوارئ جديدة.

المحاور الرئيسية:

1. الجسر الجوي والتحكم الميداني: طائرات القيادة وأسطول التزويد

– اكتمال الشبكة اللوجستية: عاد حجم أسطول طائرات التزويد بالوقود الأمريكي في أوروبا والقيادة المركزية (CENTCOM) ليتجاوز عتبة الـ 200 طائرة للمرة الأولى منذ أوائل يوليو. وقد سُجل وصول 4 طائرات (KC-135R/T) إلى إسرائيل، بالتزامن مع تحليق طائرة أخرى باتجاه قاعدة سيغونيلا في إيطاليا، ما يؤكد الاستعداد لعمليات جوية ممتدة زمنياً ومكانياً وتتطلب إبقاء المقاتلات في الجو لفترات طويلة.
– عقدة الاتصالات (BACN): يمثل توجه طائرة (E-11A BACN) المتخصصة في ربط عقد الاتصالات الميدانية (رقم الذيل 12-9506) نحو قاعدة رامشتاين تمهيداً لنقلها للشرق الأوسط، مؤشراً عملياتياً خطيراً. هذه الطائرات (التي يوجد منها 5 في قاعدة الأمير سلطان) تُستخدم لضمان الاتصال المستمر بين القوات الجوية والأرضية والبحرية في بيئات التشويش الإلكتروني الكثيف، وهو ما يسبق عادة العمليات الهجومية المعقدة، ويفسر النشاط المكثف للمقاتلات الأمريكية فوق الجزر الإيرانية الجنوبية.

2. الخنق البري وتأسيس قوة المهام الجديدة

– إنذار بغداد: في تحول تكتيكي يهدف إلى قطع “شريان الحياة” اللوجستي، وجهت واشنطن إنذاراً حازماً للعراق بإغلاق كافة المعابر الحدودية مع إيران والإبقاء على معبرين فقط، ملوحة بسلاح العقوبات.
– قوة مهام القيادة المركزية: يتكامل هذا الإنذار مع إعلان (CENTCOM) تشكيل قوة مهام جديدة لمنع إيران من استخدام الطرق البرية لنقل الأسلحة والتكنولوجيا المزدوجة، ما يعني تحويل الحدود العراقية-الإيرانية إلى مسرح عمليات استخباري وعسكري مباشر لقطع أوصال “وحدة الساحات”.

3. معضلة “جبل الفأس” وتمدد الردع الباليستي الإيراني

– العجز التدميري التقليدي: تواجه الاستراتيجية العسكرية الأمريكية مأزقاً حقيقياً في استهداف منشأة “جبل الفأس” النووية المحصنة بعمق 80 إلى 100 متر تحت صخور الغرانيت. فالقنبلة الخارقة للتحصينات (GBU-57) لا تكفي لضمان التدمير الكامل لهذا العمق، كما أن قنبلة (MOAB) مصممة للأهداف السطحية الواسعة. هذا العجز التكتيكي، مقروناً باحتمالية تشتيت إيران لأصولها النووية، يجعل من خيار الضربة المباشرة مغامرة غير مضمونة النتائج.
– المظلة الباليستية نحو أوروبا: استثمرت طهران هذا التردد عبر تطوير قدراتها الصاروخية بشكل دراماتيكي. ووفقاً لتقديرات السفير الأمريكي في إسرائيل، ضاعفت إيران مدى صواريخها الباليستية من 2000 إلى 4100 كيلومتر خلال عام واحد، ما يضع عواصم حلف الناتو (لندن، برلين، بروكسل) تحت رحمة القوة الصاروخية الإيرانية، وهو ما يُعقّد الحسابات الأوروبية في أي تحالف لضرب إيران.
– الحرب النفسية: يعكس هذا التفوق الاستراتيجي ثقة القيادة الإيرانية، وهو ما تجلى في سخرية أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي من حالة التخبط في الإدارة الأمريكية وتغيير القيادات المدنية والعسكرية، معتبراً أن واشنطن قد خسرت المعركة العسكرية والسياسية معاً.

4. حرب الاستنزاف الإقليمية: اشتعال الجبهة السعودية والزلزال السياسي الإسرائيلي

– استهداف العمق السعودي: صعّدت قوات صنعاء من هجماتها بشن 6 هجمات منسقة بصواريخ باليستية ومجنحة ومسيرات استهدفت عصب الاقتصاد السعودي (مصفاة أرامكو بالرياض، حقل خريص، ومحطة ضخ)، إضافة إلى أهداف عسكرية في مطار الرياض ونجران. وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية (Sentinel-2) آثار حروق في معسكر الحرس الوطني بنجران، ما يؤكد دقة الاستهداف. جاء هذا التصعيد كرد مباشر على حملة جوية سعودية عنيفة بلغت 105 غارات خلال 24 ساعة، ما ينذر بحرب استنزاف طاقوية واسعة.
– الانقلاب السياسي في إسرائيل: بالتوازي مع الغليان الميداني، تدفع الإدارة الأمريكية (بأجنحتها المتعددة) نحو إحداث تغيير سياسي فوري في إسرائيل. فقد كُشف عن رسائل من مقربين لترامب تطالب غادي آيزنكوت بتشكيل حكومة واستبدال نتنياهو فوراً.

 ومع حصول آيزنكوت على 67 توصية، تتجه الأنظار لتكليفه رسمياً، ما يعني نهاية حقبة نتنياهو وتولي قيادة عسكرية-سياسية جديدة زمام إدارة المرحلة المقبلة من الحرب، والتي قد تكون أكثر براغماتية ولكنها أشد تركيزاً على توجيه ضربات دقيقة تعيد الردع.

تنتقل الأزمة الآن من مرحلة “تبادل الرسائل النيرانية” إلى مرحلة استهداف البنى التحتية الصلبة، سواء الجغرافية (المعابر الحدودية) أو المؤسساتية (تغيير القيادة في تل أبيب). إن إدراك واشنطن لحدود قوتها التدميرية التقليدية ضد البرامج النووية الإيرانية، مقابل اتساع المظلة الباليستية لطهران لتشمل أوروبا، يفرض على صانع القرار الأمريكي والإسرائيلي الجديد البحث عن بدائل خارج الصندوق الكلاسيكي. في غياب أفق دبلوماسي حقيقي، يُرجح أن يتجه المشهد نحو تفعيل قوة المهام البرية وحرب الاغتيالات السيبرانية، مع إبقاء الأسطول الجوي في حالة استعداد قصوى لتحويل أي خطأ في الحسابات إلى شرارة تلتهم خطوط الطاقة والملاحة من الخليج إلى البحر الأحمر.
من المرجح جداً خلال الـ 48 ساعة القادمة أن نشهد اتساعاً في رقعة الاشتباك الصاروخي.