أفق نيوز
آفاق الخبر

القضية الجنوبية في ميزان عدالة الثورة.. 21 سبتمبر انتصرت لقضايا اليمنيين في الشمال والجنوب

40

أفق نيوز../

لم تكن ثورة 21 سبتمبر 2014 وليدة لحظتها السياسية، بل جاءت نتيجة لصراع طويل عاشته اليمن في مرحلة ما بعد ثورة 26 سبتمبر 1962، وما صاحبها من إقصاء وتهميش لشريحة كبيرة من الشعب اليمني، وحرمان مناطق معينة باسم الثورة، وبعد قيام الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، استمر النظام في ممارسة هواية استعداء مكونات سياسية تحمل رؤى وطنية ومطالبات حقوقية لفئات من الشعب يتم حرمانها ومصادرة حقوقها السياسية والاقتصادية، وإجبارها على العيش في هامش الدولة، الأمر الذي ولَّد سخطاً شعبياً عصفت تأثيراته السلبية بالحياة العامة والنسيج الاجتماعي للشعب اليمني، ونتيجة لذلك اتجهت الكثير من المكونات السياسية نحو حراك سياسي ثوري لتصحيح مسار الدولة.

 

11فبراير

على أمل إيجاد دولة حرة، عادلة، مستقلة، قابلة للحياة في اليمن، انخرط «أنصار الله» في صفوف ثورة 11 فبراير 2011، لكن أعداء الحياة في الإقليم وأدواتهم داخل اليمن حالوا دون ذلك، ما أدى إلى فشل الفعل الثوري، والانحراف بمسار الثورة نحو إعادة تخليق النظام السابق من جديد، وبتبعية أكثر انبطاحاً وإباحة لليمن.

اتجاه نظام فبراير نحو تخليق النظام السابق والدخول في مرحلة التبعية المطلقة للخارج واستمرار التعامل بسياسة الإقصاء والتهميش، لشريحة واسعة من المجتمع اليمني، وتجاهل القضية الجنوبية ومظلمة صعدة، واتخاذ قرارات سياسية واقتصادية غير مدروسة تستهدف إفقار وتجويع كافة الفئات والشرائح الاجتماعية وعودة الفساد بملامح ثورية أشد قسوة، فجَّر غضباً شعبياً عارماً تبنته قيادة أنصار الله التي دعت منذ لحظاته الأولى إلى الانتفاض ضد الهيمنة وإسقاطها لاستعادة الكرامة اليمنية، وتم تتويجه بثورة 21 سبتمبر المجيدة كخيار يليق باليمن الكبير ويترجم تطلعات كافة أبناء الشعب اليمني.

 

طوفان اجتاح الخارطة

لا يختلف اثنان على أن ما حملته ثورة الـ21 سبتمبر المجيدة من أهداف ومبادئ وقيم وثوابت وطنية وإنسانية، جعلت منها حدثا تجلت فيه عظمة وتلاحم الشعب اليمني شمالا وجنوبا وتوحده من أجل الانتصار لإرادته واستقلال قراره السياسي، وهي الحقيقة التي يمكن لأي متتبع لمسار الثورات في العالم، ملامستها في الانتصار المتسارع للثورة وتحولها من ثورة اشتعلت في منطقة جغرافية محدودة في إطار العاصمة صنعاء، إلى مد ثوري وطوفان تفجرت ينابيعه في كل مدينة وقرية بل وفي كل قلب يمني ليجتاح الخارطة اليمنية خلال فترة وجيزة.

أبناء المحافظات الجنوبية لم يكونوا في معزل عن هذا الحدث الكبير، ولم يقفوا موقف المحايد منه ولم يقل تفاعلهم ومشاركتهم في صنع امتداد عن إخوانهم في المحافظات الشمالية التي توهم أعداء الثورة وأدوات المتربصين باليمن أن المد الثوري لن يبلغ معظمها وإن بلغها فسيتوقف عند حدودها ويستحيل عليه تجاوز الحدود «الانجلوعثمانية» المفروضة على الشعب اليمني حتى يوم 22 مايو من العام 1990م، لكن أوهامهم تلك سرعان ما تلاشت أمام حقيقة ثورة 21 سبتمبر التي سرعان ما وصلت -بفضل الله وتمكينه- إلى المحافظات الجنوبية لتحط رحالها في مدينة عدن، ويتم استقبالها بتفاعل وترحيب وقبول كبير أغاظ أعداء الثورة وأثار حفيظة وحقد الجوار الإقليمي الذي اتجه من خلال أدواته لإثارة الأحقاد وتأليب الشارع الجنوبي ضد الجيش واللجان الشعبية من خلال حملاته الإعلامية التي استدعت فيها حرب صيف العام 1994م وصور فيها دخول جيش الثورة ولجانها الشعبية وتواجدها في المحافظات الجنوبية على أنه احتلال شمالي للجنوب.

اليوم ورغم كل ما شهدته وتشهده المحافظات الجنوبية المحتلة، من قبل التحالف السعودي الإماراتي، يتساءل الكثير من المبغضين عن الأسباب التي دفعت أبناء المحافظات الجنوبية للتفاعل مع ثورة 21 سبتمبر ومساندتها بالأمس وتدفعهم اليوم لأن يتطلعوا لعودة الجيش واللجان الشعبية وينظروا إليهم كمنقذ يعلقون عليه الآمال لتخليصهم من بطش قوى الاحتلال التي تمارس في حقهم أقذر سياسات التجويع والإذلال.. هذه التساؤلات وغيرها يمكن معرفة إجاباتها من خلال رؤية قيادة ثورة الـ21 من سبتمبر للقضية الجنوبية والتي نورد بعضا منها فيما يلي:

 

القضية الجنوبية ومنطقية التفسير

ارتكزت رؤية قيادة ثورة 21 سبتمبر للقضية الجنوبية على أسس موضوعية أكدت أنها -أي القضية الجنوبية- وليدة فشل النخب السياسية اليمنية في تحويل الوحدة السلمية الطوعية في 22 مايو 1990 من حالة عاطفية شعبوية إلى مشروع سياسي نخبوي مجسد في دولة وكيان سياسي يترجم تطلعات وآمال المواطنين وبما يؤكد صدق وجدية توجه تلك النخب نحو بناء الدولة وتحويل علاقة الحالة العاطفية إلى علاقة ارتباط وضرورة.

ورغم الإيحاء الجهوي للتسمية وتعسف البعض في تفسيرها على نحو يخرجها عن سياقها الوطني العام ويدخلها في سياقات إلحاقية شمالا أو انفصالية جنوبا، إلا أن قيادة ثورة الـ21 من سبتمبر، اعتبرت القضية الجنوبية القضية اليمنية المركزية الأكثر إلحاحا، وسيحظى العمل والفعل السياسي الجاد لحلها بتفاعل النخب السياسية والتأييد الشعبي شمالا وجنوبا ولن يتوقف عند حدود جهة في الجغرافيا تهم ساكنيها فقط، والتأكيد على أن الحل يبدأ من البحث الجاد والموضوعي في أسباب ومظاهر فشل بناء هذه الدولة، وينتهي ببنائها فعليا وتجسيدها على أرض الواقع.

 

رفض ومقاومة

ومن خلال رؤية ثاقبة تستند على خلفية تاريخية وسياسية وثقافية، أكدت الرؤية أن وجود الشعب اليمني وليد تفاعل الإنسان والجغرافيا والتاريخ في هذه المنطقة من العالم، وأن هذا التفاعل الوجودي منح الشعب اليمني هوية جامعة متعددة الأبعاد برموزها المستقرة في الذاكرة الجمعية لليمنيين، ومن غير الجائز اختزال هذه الهوية في بعد واحد ديني أو مذهبي أو جهوي.. معتبرة أن اليمن الحضاري الثقافي وطن وشعب واحد لا يقبل التجزئة، ولا يعترف بأي حدود سياسية داخل جغرافيته اليمنية، وليس بمقدور الأفراد ولا الجماعات ولا حتى الدول أن ترسم له حدودا نهائية، وإذا وجدت مثل هذه الحدود فسيقاومها اليمنيون من جهتيها وليس من جهة واحدة عاجلا في المدى المنظور أم آجلاً في المدى البعيد، مؤكدة أن هذه المقاومة وظيفة غير قابلة للتعطيل وأن أي محاولة لتعطيلها ستعتبر بمثابة الحكم على اليمن بعدم الاستقرار.

 

جذور القضية الجنوبية

وفيما يتعلق بجذور القضية الجنوبية والأسباب التي أدت إلى ظهور مثل هذا الحراك السياسي والاجتماعي في المحافظات الجنوبية، تؤكد المبادئ والثوابت التي قامت عليها ثورة 21 سبتمبر، أن أي تحرك صوب المستقبل، لا يمكن حدوثه ما لم يتم العمل على تصحيح أخطاء الماضي القريب الذي ما يزال حاضراً بشخوصه وعاشه معظم اليمنيين الذين شهدوا يومي 22 مايو 1990 و7 يوليه 1994، وتحرير ذلك الماضي من أسر القراءات المتحيزة التي تسعى لتوظيفه في صراعات الحاضر.

كما تؤكد الرؤية أن الحل العادل للقضية الجنوبية حلاً عادلًا يمثل بوابة الولوج إلى الدولة، وأن التعامل معها انطلاقاً من ثنائية الوحدة والانفصال التي كرستها الرواية للتستر على الدوافع الحقيقية لحرب 1994 باعتبارها حَرْبًا حرَّكتها عصبيات ممانعة لبناء دولة لكل اليمنيين، سيؤدي إلى نتائج خطيرة سرعان ما ستتحول إلى معاناة وكابوس يعيشه اليمنيون لعقود طويلة.

وفي قراءة تصحيحية استعرضت تجربة الوحدة وبيان معنى القضية الجنوبية، أكدت القيادة الحكيمة لثورة 21 سبتمبر أن «الوحدة التي تم الإعلان عنها في 22 مايو 1990م لم تكن بين حزبين ولا بين سلطتين؛ وإنما كانت بين دولتين لصالح دولة ثالثة بحقائق عسكرية وأمنية وسياسية وإدارية مختلفة، لا هي حقائق دولة الشمال ولا هي حقائق دولة الجنوب، وهذه الدولة الثالثة ذات نظام سياسي ديمقراطي يتضمن إدانة صريحة للنظامين السياسيين السابقين، ويعطيها وحدها دون أي من الدولتين السابقتين حق التمدد وممارسة السيادة على كامل جغرافية اليمن الحضاري الثقافي الواحد، ومن غير هذه الدولة الثالثة ذات الحقائق المختلفة والنظام السياسي الديمقراطي المغاير تكون الوحدة باطلةً وغير مؤهلةٍ للبقاء والاستمرار».

 

انقلاب على الوحدة

وفيما يتعلق بمفهوم الوحدة دعت الرؤية إلى التمييز المنطقي والمنهجي -بين سياقين.. الأول: ويتمثل بالوحدة كحالة عاطفية وجدانية استدعتها الحركة الوطنية اليمنية من أرشيف التاريخ بصورة مثالية بعد تنقيته ذهنيًّا من حروبه وصراعاته وتغلباته وانقساماته وأيقظتها في نفوس وعقول الجماهير كحلم تغييري منذ ثلاثينيات القرن الماضي انطلاقاً من مدينة عدن.. والثاني: يمثل الوحدة كمشروع سياسي وطني نخبوي معيار نجاحه الوحيد أن يتجسد في دولة – ثالثة – ذات نظام سياسي ديمقراطي حقيقي يضمن أن تكون الدولة لكل مواطنيها لا دولة يغتصبها حزب أو مراكز قوى متكئة على عصبيات.

وأشارت إلى أن التمييز بين الوحدة كحالة عاطفية شعبوية والوحدة كمشروع سياسي نخبوي سيكشف حقيقة الذين وقفوا ضد مشروع دستور دولة الوحدة وقاطعوا الاستفتاء عليه لم يكونوا ضد الوحدة بالمعنى الأول لكنهم كانوا ضدها بالمعنى الثاني.. أي أنهم كانوا ضد “الدولة الثالثة دولة الوحدة” دفاعاً عن دولة الشمال، وهو ما بدا جليا من خلال «التحالف العسكري القبلي والديني التكفيري» الذي أشعل حرب صيف العام 1994م واستثمر الوحدة كحالة عاطفية شعبوية لتدميرها كمشروع سياسي وطني نخبوي، وبالحرب تحولت عاطفة الوحدة إلى دماء وجراح أشاعت الكراهية ونقلت براميل التشطير من الجغرافيا إلى النفوس.

وشخصت رؤية قيادة الثورة القضية الجنوبية على أنها «قضية وطنية نجمت عن انقلاب عسكري عصبوي موجه ضد مشروع دولة الوحدة.. والأنكأ من كل ذلك أن الانقلابيين ظلوا يستخدمون عاطفة الوحدة لشرعنة نهب واستباحة الجنوب، الأمر الذي دمر هذه العاطفة عند أغلب سكان المحافظات الجنوبية وأشاع الخوف عليها عند سكان محافظات الشمال، ومع أن سبب الكراهية والخوف في الحالتين واحد وهو حرب 1994 التي دمرت الوحدة كمشروع سياسي وطني، إلا أن نُخَباً في الجهتين تتهرب من الاعتراف بهذه الحقيقة».. مشيرة إلى أن النخبة التي في الجنوب تعمق الكراهية وتعطيها بعداً جهوياً صريحاً، والتي في الشمال توسع مساحة الخوف وتحرِّضه بشعارات وطنية ودينية للتستر على جهويتها وعصبويتها الضيقة.

 

عدالة المنصف

وبعدالة المنصف أكدت قيادة الثورة أن الحرب التي أنتجت القضية الجنوبية لم تكن بين جهتين في الجغرافيا وإنما بين اتجاهين في السياسة.. وأن الذين كسبوا الحرب وجنوا ثمارها هم من الشمال والجنوب، والذين خسروها هم أيضاً من الشمال والجنوب، أما المهزوم الأول والأكبر فيها فهو الشعب اليمني بشقيه الكاره والخائف.

وخلصت الرؤية في توصيفها لجذور القضية الجنوبية إلى أن الحرب ومن خلال معاركها وأهدافها المتعددة، بينت فيما بعد أن نخبة الحكم في صنعاء دخلت الوحدة وهي تضمر فرض نموذجها على اليمن كله، ولم تكن خطوة 22 مايو السلمية بالنسبة لها سوى إجراء تكتيكي لتغيير شروط الحرب القديمة بين الشطرين من حرب بين دولتين إلى حرب داخلية بين “شرعية” و”متمردين على الشرعية“.

ونوهت إلى بأن نخبة الحكم في صنعاء بهذه الطريقة فرضت نموذجها على الوحدة وعممت نظامها ونهجها على اليمن كله.. وبدلا عن وحدة 22 مايو الطوعية السلمية أقامت وحدة 7 يوليو “المعمدة بالدم” معتقدة أن نظام الجمهورية العربية اليمنية ونموذجها الذي كانت تحكم به قبل الوحدة هو النموذج الذي انتصر على صعيد عالمي في الحرب الباردة ويجب أن ينتصر على صعيد محلي وأن نظام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية هو النموذج الذي خسر الحرب الباردة عالميا ويجب أن يخسرها محليا.

 

*الثورة: قراءة وتحليل/ عادل محمد باسهيل