أفق نيوز
الخبر بلا حدود

مأزق تركيا والسعودية في سوريا.. تقبل الهزيمة أو إشعال حرب عالمية!

155

يمانيون../

بدافع الخوف من التقدم الذي أحرزه الجيش السوري مؤخراً على الجبهة الشمالية بدعم من حلفائه والطيران الروسي في التقدم نحو مدينة حلب وقطع طريق الإمدادات الأخير الذي يربط بين مواقع الجماعات الإرهابية والحدود التركية، جاءت تصريحات القادة والمسئولين في كل من تركيا والسعودية شديدة الانفعال واللهجة سقفها الأقصى التدخل البري المباشر بقوات من البلدين في شمال سوريا، بقوات تتراوح ما بين 150 إلى 200 مقاتل بتصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، سواء كان هذا التدخل بقرار منفرد للبلدين، أو تحت غطاء أميركي-غربي كما فضل الجبير في تصريحاته مؤخراً.

وشهدت الجبهة الشمالية في سوريا تحول دراماتيكي في الآونة الأخيرة على وقع التدخل الروسي الذي وفر الغطاء الجوي لقوات الجيش السوري وحلفائه في استعادة الكثير من المدن من سيطرة الجماعات الإرهابية، وذلك بالتوازي مع تضييق الخناق على ما تبقى من وجود لهذه الجماعات في مدينة حلب، التي يعني استعادتها والسيطرة على الطرق المؤدية لها انتهاء الحرب في الشمال السوري، ليتبقى فقط القيام بعمليات عسكرية وأمنية الغرض منها إنهاء باقي بؤر الإرهاب في هذه المنطقة.

وكانت موسكو قد أعلنت منذ حادثة إسقاط طائرة سوخوي 24 من جانب تركيا أن أي تواجد لأي جماعات مسلحة بخلاف القوات النظامية السورية سيكون هدفاً لضرباتها الجوية، وحيدت في الوقت نفسه أي غطاء جوي ممكن أن تقدمه الطائرات التركية للجماعات الإرهابية بفعل نشر نظام الدفاع الجوي إس 300 وإس 400 من جانب روسيا. إلا أن الضربات الأخيرة والتقدم نحو حلب وقطع طريق الإمدادات سابق الذكر جعل كل من أنقرة والرياض يقفزوا إلى محاولة يائسة أخيرة بعد سلسلة من الإخفاقات السياسية والميدانية لكل من المجموعات السياسية والمسلحة التي تدعمهم العاصمتين في مسار الأزمة السورية منذ بدايتها، فأعلنت أخيراً كل من البلدين عزمهم على التدخل المباشر بقوة أرضية في شمال سوريا، في محاولة لإعادة التوازن قبيل أي مفاوضات مقبلة من المتوقع أن تبدأ في غضون أشهر قليلة، إن لم تكن أسابيع بحسب تصريحات وزير الخارجية الأميركي، جون كيري.

ميزان الشمال السوري

الوضع الميداني في الشمال السوري دائماً ما كان له اليد العليا على مسار تطورات الأزمة السورية منذ بدايتها، فبخلاف وسط وجنوب سوريا فإن الحدود الشمالية مع تركيا كانت الشريان الرئيسي للجماعات الإرهابية منذ 2011، وباستيلائهم على مدن الشمال السوري كانت الكفة ترجح لصالحهم أكثر، وما لذلك من مردود سياسي على مستوى التفاعلات الإقليمية والدولية الخاصة بسوريا، فعلى سبيل المثال كان طرح مسألة رحيل الرئيس الأسد عن الحكم ترتهن عند طارحيها بمدى التقدم الميداني الذي تحققه الجماعات الإرهابية في الجبهة الشمالية تحديداً، وكان ميل القوى الدولية لهذه المسألة مرتبط بالوضع الميداني ومدى سيطرة هذه الجماعات على المقدرات الميدانية في شمال سوريا، وكان الأمر نفسه طيلة العاميين الماضيين بعد انفجار وانفلات “داعش” الذي جعل الحد الأقصى للمسألة سابقة الذكر الاستفادة من محاربة التنظيم في مزيد من إضعاف الدولة السورية وإعداد الاستراتيجيات لتكون محاربة التنظيم بالتوازي مع محاولات إسقاط الدولة السورية.

والذي تُرجم عملياً خلال العام الماضي في “المعارضة المعتدلة”، التي كانت مهرب للأمام لكل من تركيا والسعودية من أزمة “داعش” وانفضاح الدعم التركي لها عبر الحدود الشمالية، ولكن مع انقلاب ميزان القوى في صالح الدولة السورية وحلفائها بفعل التقدم الميداني على كل الجبهات وخاصة الجبهة الشمالية بعد التدخل الروسي، أضحت مسألة بقاء الأسد واقع تقر به القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة، بل أنه في الوقت الراهن لا يوجد من يرفع شعار “إسقاط الأسد” سوى أنقرة والرياض وما تبع ذلك من محاولات أخيرة مستميتة سياسية وميدانية أخرها تشكيل معارضة سورية في الرياض هدفها إجهاض أو بالحد الأدنى تعطيل عجلة المفاوضات، بالتوازي مع التهديد بالتدخل المباشر لكل من البلدين في شمال سوريا، والذي يعتبره البعض قد بدأ بالفعل بانتقال قوات سعودية إلى قواعد تركيا، منها قاعدة “انجرليك” التي تستخدمها واشنطن مؤخراً في شن غاراتها على شمال سوريا، وذلك بحسب تصريحات المتحدث بأسم وزارة الدفاع السعودية أحمد العسيري.

المريض والميت

لم تكن هذه المرة الأولى التي تقرع فيها كل من السعودية طبول الحرب منذ بدء الأزمة السورية –بغض النظر عن إدارة الحرب بالوكالة عن طريق الجماعات المسلحة- فالبلدين طالما هددوا بالتدخل المباشر في سوريا وإرسال قوات إلى هناك، بالإضافة إلى تأكيد أنقرة ممثلة في نظام أردوغان على ما أسماه بـ “الحقوق التاريخية” لبلاده في شمال سوريا والعراق بعد استفحال خطر “داعش”، ونجاح أكراد شمال سوريا في رد إرهابي التنظيم عن مدينة كوباني/عين العرب، وما تبعه من تصديق معنوي لحق الأكراد في تنظيم وإدارة المناطق المتواجدين بها شمال سوريا واعتبار قوات (واي. بي . جي ) من قبل القوى الغربية والولايات المتحدة حلفاء في الحرب ضد داعش، وهو الأمر الذي وصل إلى تدريب وتسليح عناصر الأكراد العسكرية في شمال سوريا وانشاء خط جوي بإدارة أميركية إلى مناطق الإدارة الذاتية الكردية.

هذا الأمر مثل كابوس يتحقق بالنسبة لأردوغان وتركيا، حيث خطورة إنشاء كيان كردي يدار بواسطة هيئات سياسية وعسكرية منضوية تحت علم وأفكار “حزب العمال الكردستاني” وهو الأمر الذي يعني عمليا وعلى مدى المستقبل القريب تحقق خطوة كبرى في حلم الفيدرالية الكردية التي يتبناها الحزب، وذلك من شأنه أن يعرض جنوب غرب تركيا حيث الأغلبية الكردية التي تربو عن 30 مليون نسمة لخطر المطالبة بالحقوق الكردية المقموعة من جانب السلطات التركية منذ عشرات السنين، والذي يتهيأ لاستعادتها ظروف داخلية كما الخارجية، ممثلة في التقدم الذي أحرزته أحزاب كردية منتمية إلى أفكار العمال الكردستاني في الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة، ناهيك عن أن الجولات العسكرية التي خاضتها أنقرة ضد العمال الكردستاني خلال السنوات العشر الأخيرة أنتهت بالهزيمة للجيش التركي، التي كان أردوغان يستغلها في صراعه الداخلي مع الجيش والقوى الاتاتوركية.

أما بالنسبة للسعودية، فما حدث في شمال سوريا من تطورات ميدانية أتى كإعلان عن فشل ذريع للسياسة الخارجية السعودية للمنظومة السديرية الحاكمة مؤخراً، فشل عام في إدارة الملفات السياسية الخارجية سواء فشل العملية العسكرية والسياسية في اليمن، أو إخفاق تعطيل الاتفاق النووي مع إيران وما ترتب عليه من كوارث استراتيجية بالنسبة للرياض، وأخيراً إعلان أن أخر نفوذ للسعودية في سوريا على وشك الانتهاء، وهو الجماعات المسلحة المدعومة من جانب المملكة، التي لم يكل مسئوليها حتى اللحظة في التأكيد على أولوية الإطاحة بنظام الأسد، للدرجة التي عرضت فيها المملكة على دول حلف “الناتو” في اجتماعه الأخير في بروكسل القيام بعملية عسكرية تحت مظلة الحلف، وهو العرض الذي قدمه الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد ووزير الدفاع، والذي يعد التطور الأخطر في مسار الوضع العسكري للأزمة السورية منذ اندلاعها.

ولكن بالتدقيق في التصريحات السعودية الخاصة بهذا الشأن، نجد أن سقف المملكة في مسألة التدخل في سوريا هو العمل تحت مظلة أميركية أو مظلة الناتو، وذلك بمشاركة رمزية تتيح في الوقت نفسه غطاء عربي وإسلامي لأي عملية عسكرية تركية داخل سوريا، على غرار ما قدمته أنقرة من دعم سياسي وإعلامي وتمثيل عسكري محدود في عدوان المملكة على اليمن العام الماضي.

وحدهما في مقامرة خاسرة

هنا يمكن اعتبار التهديد التركي السعودي بالتدخل البري المباشر في شمال سوريا –على جديته- ليس سوى تلويح بالقوة لتحسين الموقف قبيل جولة المفاوضات القادمة في جينيف، والتي يسعى كل من سوريا وروسيا وإيران قبلها أن يقوموا بإغلاق الحدود التركية- السورية، وهو ما يعني فقدان أنقرة لورقتها الأهم في الأزمة السورية، وهذا بعد التراجع الميداني المتدهور منذ شهور والذي كانت قمته تشتت تجربة “جيش الفتح” ومقتل زهران علوش، رجل السعودية الأول في سوريا.

وبالتالي بعدما أصبح ظهر الرياض وأنقرة للحائط فإنه من المنطقي أن يبذلوا كل جهد للتخلص من هذا المأزق، سواء بخطوات يحكمها عقل ومنطق، أو ارتجال وعشوائية وإجراءات طائشة في هذا الوقت الحساس، والذي يعد استمرار للنهج المشترك للبلدين منذ ما يربو عن عام.

النقطة الأهم لسيناريوهات تنفيذ التهديد السابق لكل من الرياض وأنقرة والعامل الحاسم كذلك، هو المدى الزمني الضيق الذي لا يتجاوز الأسبوعين، وبالتالي فإن في غياب مظلة دولية أو أميركية لتدخل الدولتين –السعودية تحديداً أعلنت أنها لن تتدخل إلا تحت قيادة أميركية معنونة بالحرب ضد داعش- سيكون مقابله رد عنيف من جانب كل من روسيا وإيران والحكومة السورية وحلفائها. لاعتبارات تتجاوز في أبعادها الجيوستراتيجية الأزمة السورية، سواء فيما يتعلق بالصراع بين طهران والرياض، واعتبار الأولى أن سوريا تمثل امتدادها الاستراتيجي وبالتالي تواجد السعودية العسكري الرسمي فيه يعني عدوان مباشر عليها، أو تصعيد تركي ضد موسكو التي ترى في أنقرة رأس حربة إجهاض تواجدها في المنطقة، والذي تعول تركيا على دعم غربي وأميركي في هذا الالتفاف على نجاح الاستراتيجية الروسية-الإيرانية في سوريا في ظل إخفاق نظيراتها الغربية والأميركية.

لكن نقطة الضعف الأخطر في تقدير كل من السعودية وتركيا فيما يتعلق بتطورات الأزمة السورية شمالاً، تكمن في أن الأطراف الإقليمية باتت تنظر للأمر برمته عبر ما يمس مصالحها المباشرة وأمنها، فعلى الجبهة الجنوبية لسوريا تقف إسرائيل والأردن وجهودهما المشتركة في إبقاء الوضع على هذه الجبهة بما يخدم مصالحهم دون وضع مصلحة الأطراف الأخرى كتركيا والسعودية في أولويات عملهم الراهن، وهذا يعبر بشكل كبير عن انخفاض آمال الجهود المشتركة لدول ما يُعرف ب”غرفة عمليات الموك” في الجنوب من إحراز تقدم عام في مسار الأزمة السورية، والإبقاء على الحد الأدنى لحماية مصالح كل دولة، وما يعني ذلك عملياً من تفكك هذه الغرفة أو بالحد الأدنى بقاءها في الوقت الراهن تحت بند التنسيق الأمني والاستخباراتي في ظل أولوية لدى جميع أطراف الأزمة السورية بحسم الجبهة الشمالية حسبما يرى كل طرف.

وبناء على ما سبق، فإن التدخل إن حدث، فإنه سيكون تركي مُطعم بتواجد رمزي لقوات سعودية وربما خليجية تعطي غطاء سياسي لأنقرة، وسقفه في هذه الحالة الحفاظ على ما تبقى من نقاط قوى لكل من البلدين في سوريا تمكنهم من الحفاظ على ماء الوجه في المفاوضات القادمة. وهذا السقف رسم بواقع أن سياسة قلب الطاولة التي دأبت عليها الرياض وأنقرة لم تعد تجدي نفعاً في ظل التطورات الأخيرة في سوريا والمنطقة بشكل عام، وخاصة وأن الجانب المقابل المتمثل في موسكو وطهران يضعان نصب عينهما إغلاق الحدود الشمالية في سوريا وحسم الحرب في الشمال قبل المفاوضات، وهو ما يعني أن التهديدات والإجراءات المشتركة لأنقرة والرياض الغرض منها جر واشنطن ودول الناتو إلى صدام مباشر مع موسكو إيران، أي حرب عالمية جديدة، لخص جون كيري استبعادها ورفضها بجوابه الساخر على سؤال معارض سوري قبل أيام “أتريد إشعال حرب عالمية بيننا وبين روسيا من أجلكم؟!”

الخلاصة: سقف التهديد التركي-السعودي يتوقف على رغبة واشنطن في تصعيد الموقف في سوريا مع إيران وروسيا، في وقت تفضل السياسة الأميركية التهدئة حصد لثمار الاتفاق النووي مع إيران، ناهيك عن أن الإدارة الأميركية الحالية تريد الرحيل عن البيت الأبيض دون إشعال حروب جديدة، وهي بالأساس بنت شرعية قدومها قبل سبع سنوات بإنهاء سنوات الحروب التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولكن هذا بالطبع لا ينفي أن واشنطن ترحب بأي فعل سياسي من شأنه إجهاض انتعاش الوجود الروسي في المنطقة الذي أستغل الفراغ الذي راكمته واشنطن في السنوات الثلاث الأخيرة، ولكن دون تدحرج الأمور إلى تصادم مباشر بين القوتين العظمتين، في وقت تعتقد فيه واشنطن والغرب أن خطورة “داعش” كتهديد عالمي أولى بالمواجهة من أن تحريك عسكري من أجل إرضاء حلفاء تتضاءل أهميتهم بمرور الوقت وتسببوا بمشكلات أكثر مما أفادوا خلال السنوات الأخيرة.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com