أفق نيوز
الخبر بلا حدود

زراعة القمح في الجوف خطوة استراتيجية نحو سيادة اليمن الغذائية

144

أفق نيوز|

تمضي اليمن، في ظل العدوان والحصار، بخطى متسارعة نحو معركة من نوع آخر، لا تقل أهمية عن معارك الدفاع والسيادة، إنها معركة الاكتفاء الذاتي وبناء الاقتصاد المنتج، حيث تتقدم الزراعة بوصفها خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي، وأحد أعمدة الصمود الوطني في مواجهة سياسات التجويع والارتهان للخارج.

وفي قلب هذه المعركة، تبرز محافظة الجوف كواحدة من أهم الساحات الاقتصادية الواعدة، بعدما تحولت من محافظة استُهدفت لسنوات بالفوضى وقطع الطرق وتشويه الصورة، إلى نموذج متقدم في استعادة الأرض وتوظيفها في الإنتاج الزراعي، وعلى رأسه محصول القمح، بوصفه عنوان السيادة الغذائية وركيزة الاستقلال الاقتصادي.

وتشهد الجوف اليوم توسعًا ملحوظًا في المساحات المزروعة، وتزايدًا في الاستثمارات الزراعية، بدعم مباشر من القطاع الزراعي، وبمشاركة فاعلة من المزارعين والمستثمرين، الذين يراهنون على الأرض والإنسان بدل الارتهان للاستيراد. خطوات تعكس تحوّلًا استراتيجيًا في الوعي العام، وتؤكد أن الرهان على الإنتاج المحلي ضرورة وطنية تفرضها معادلات الحرب والحصار، وتحديات الأمن الغذائي.

وفي ظل هذا التحول، تتقدم تجربة زراعة القمح في الجوف بوصفها أحد أبرز النماذج العملية على إمكانية الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن الاعتماد إلى الاكتفاء، ومن الهشاشة إلى الصمود الاقتصادي.

ويرصد هذا التقرير ملامح النهضة الزراعية من خلال الوقوف على تجربة استثمارية زراعية، واستعراض واقع القطاع الزراعي، وفرصه، وتحدياته، ودوره في مشروع الاكتفاء الذاتي، في مشهد يؤكد أن معركة السيادة تبدأ من الأرض، وتمتد إلى القرار الوطني المستقل.

ففي موسم زراعي يُعد من الأوسع، يواصل القطاع الزراعي توزيع البذور وتقديم الدعم الفني، في مسعى لتعزيز زراعة القمح وتوسيع رقعتها، ضمن رؤية تهدف إلى تقليص فاتورة الاستيراد وبناء قاعدة إنتاج محلية مستقرة.

وفي هذا السياق، يوضح المستثمر الزراعي مسفر صالح الشاعر أن التوجه نحو زراعة القمح في الجوف يأتي نتيجة قناعة راسخة بجدوى الاستثمار الزراعي، وبما تمتلكه المحافظة من مقومات طبيعية وبشرية، إلى جانب الدعم المتنامي الذي يقدمه القطاع الزراعي.

وفي حديثه لقناة المسيرة، يؤكد الشاعر أن الأرض التي جرى استثمارها تبلغ نحو ستين هكتارًا، تم البدء بزراعتها بشكل تدريجي ومدروس، مبينًا أن المرحلة الأولى شملت استغلال أربعين هكتارًا، على أن تُستكمل بقية المساحة في مراحل لاحقة، وفق خطة تهدف إلى تحقيق الاستدامة وتحسين الإنتاج.

ويضيف: “أن التجربة في بداياتها واجهت تحديات طبيعية وتقنية، إلا أن الإصرار والتطوير المستمر في أساليب الزراعة والري أسهما في تحقيق نتائج مشجعة”، موضحًا أن الإنتاج في السنوات الأولى لم يتجاوز ثلاثة أطنان، قبل أن يرتفع في الموسم الماضي إلى خمسة أطنان، مع توقعات بتجاوز سبعة أطنان في الموسم الحالي، في ظل استخدام البذور المحسنة وتحسن إدارة الموارد المائية.

ويعتبر التحسن في الإنتاج مؤشرًا واضحًا على نجاح التوجه نحو زراعة القمح، وحافزًا قويًا للتوسع والاستمرار، ليس فقط على مستوى مشروعه الخاص، بل كرسالة عملية للمستثمرين الآخرين.

وتعكس هذه التجربة واقعًا أوسع تشهده محافظة الجوف، حيث جرى هذا الموسم توزيع نحو 54 ألف كيس بذور قمح، وزُرعت مساحات تقدر بـ 17 ألفًا و600 هكتار، باستخدام مزيج من الري المحوري والطرق التقليدية، في خطوة تعكس جدية التوجه نحو رفع الإنتاج المحلي وتعزيز الأمن الغذائي.

ولا تقف هذه الجهود عند حدود الأرقام، وإنما تتجاوزها إلى إعادة تشكيل الصورة الذهنية عن المحافظة، باعتبارها سلة غذاء واعدة، وهو ما يمهد للانتقال إلى قراءة أعمق لواقع الجوف الزراعي، وحجم الإمكانات الكامنة فيها، والدور الذي يمكن أن تلعبه في معادلة الاكتفاء الذاتي على مستوى اليمن.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الوقوف عند رؤية القطاع الزراعي بمحافظة الجوف، بوصفه الجهة المشرفة والمنظمة لهذا التوسع، والمسؤولة عن رسم خارطة الاستثمار الزراعي في واحدة من أوسع المحافظات اليمنية مساحة وأكثرها خصوبة.

وحول هذه الجزئية، يؤكد مسؤول القطاع الزراعي بمحافظة الجوف، مهدي الضمين، أن ما يُزرع اليوم لا يمثل سوى جزء ضئيل من الإمكانات الحقيقية للمحافظة، مؤكدًا أن المساحات المزروعة حاليًا لا تتجاوز واحدًا في المئة من الأراضي القابلة للزراعة.

ويشير في حديث خاص لقناة المسيرة إلى أن الجوف تمتلك نحو خمسة وسبعين في المئة من أراضيها صالحة للاستصلاح الزراعي، بما يعادل أكثر من مليوني هكتار قابلة لزراعة أجود المحاصيل.

ويؤكد الضمين أن المحافظة تُعد من أكبر المحافظات اليمنية مساحة، وأنها تتمتع بتربة خصبة ومخزون مائي كبير، يجعلها قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح والوصول إلى مرحلة الفائض والتصدير مستقبلًا.

ووفقًا للضمين، فإن التحدي الأبرز أمام الجوف يكمن في الظروف الأمنية والاستهداف الممنهج الذي تعرضت له المحافظة خلال سنوات مضت، الأمر الذي دفع الأجهزة الأمنية والعسكرية في حكومة التغيير والبناء إلى تطبيع الأوضاع الأمنية وصنع استقرار أمني في عموم المحافظة.

وإزاء ذلك، توافد المئات من المزارعين والمستثمرين إلى محافظة الجوف لتشهد المحافظة توسعًا استثماريًا غير مسبوق، حيث ارتفعت أعداد المستثمرين بنسبة تقارب مئتي في المئة مقارنة بالمواسم السابقة.

وفيما يتعلق بالفرص الاستثمارية، يوضح الضمين أن القطاع الزراعي يعمل على تسهيل الإجراءات، والتنسيق مع ملاك الأراضي، وتقديم ما يمكن من دعم فني وخدمات، في إطار شراكة تهدف إلى استغلال الأرض بما يخدم المصلحة العامة، ويعزز من حضور الزراعة في الاقتصاد الوطني.

ويشكل الارتقاء الزراعي في الجوف تحولًا استراتيجيًا في مسار مواجهة الحصار، حيث تنتقل الزراعة من هامش النشاط الاقتصادي إلى صدارة المعركة الوطنية، ليتحوّل القمح من محصول زراعي إلى رمز للسيادة والصمود الوطني.

وفي المجمل، فإن التوسع في زراعة القمح، وتزايد الاستثمارات، وتحسن الإنتاج، مؤشر عملي على نوايا الدولة في النهوض بالقطاع الزراعي وجعله ضمن أولوياتها، ساعية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، لا سيما وأن القيادة الثورية والسياسية وضعت الأمن الغذائي في صلب معركة الاستقلال.

وفي ظل استمرار العدوان والحصار، يصبح تعزيز الإنتاج المحلي واجبًا وطنيًا لا يقبل التأجيل، إذ لا يمكن لأي سيادة سياسية أن تكتمل دون سيادة غذائية، وما يجري في الجوف يبعث برسالة واضحة مفادها أن الرهان على الأرض هو الرهان الرابح، وأن اليمن القادرة على الصمود في وجه أعتى التحالفات، قادرة أيضًا على أن تطعم نفسها بنفسها.