المقاطعة الاقتصادية في المشروع القرآني.. سلاح فعّال يضرب العدو ويصنع منعة الأمة
أفق نيوز| تقرير خاص|
لم تكن المقاطعة الاقتصادية في المشروع القرآني الذي أسّسه شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه موقفًا احتجاجيًا عابرًا أو ردّة فعل آنية على أحداث سياسية.
بل جاءت كخيار استراتيجي واعٍ، نابع من قراءة قرآنية عميقة لطبيعة الصراع مع العدو الأمريكي والصهيوني، بوصفه صراعًا حضاريًا واقتصاديًا يستهدف إرادة الأمة ووعيها قبل استهداف جغرافيتها.
من الوعي إلى الفعل
انطلق المشروع القرآني من تشخيص جذري لواقع الأمة، حيث حدّد مكامن الخلل في الارتهان الاقتصادي، والتبعية الثقافية، وغياب الموقف العملي، ليقدّم المقاطعة الاقتصادية كإحدى أهم أدوات المواجهة الممكنة والمتاحة أمام الشعوب، وكترجمة عملية لشعار البراءة من أعداء الله وأعداء الأمة.
وتؤكد بيانات البنك الدولي لعام 2023 أن الدول العربية تعتمد على الاستيراد الغذائي بنسبة 60–70% من إجمالي الاستهلاك، في حين تصل نسب استيراد الأجهزة الإلكترونية والسيارات إلى أكثر من 80%، هذه الأرقام توضح قدرة المقاطعة على التأثير الفعلي على الأسواق الأجنبية، إذا تم توجيهها بوعي وتنظيم.
وقد أكّد شهيد القرآن في أكثر من خطاب أن رفع الشعار والمقاطعة الاقتصادية يشكّلان معًا موقفًا عمليًا يدخل في إطار الجهاد في سبيل الله، لما لهما من أثر مباشر على العدو، واستهداف حقيقي لمصادر قوته ونفوذه.
المقاطعة كسلاح مؤلم.. شواهد وأرقام
تؤكد تجارب سابقة وتقارير اقتصادية أن المقاطعة الشعبية الواسعة تركت آثارًا ملموسة على اقتصادات الدول المعادية:
بعد الغزو العدو الأمريكي للعراق عام 2003، أبلغت شركات أمريكية كبرى مثل كوكاكولا وماكدونالدز عن تراجع مبيعاتها في بعض الدول العربية بنسبة تتراوح بين 20–35% نتيجة حملات المقاطعة الشعبية.
في عام 2017، ومع تصاعد الدعوات لمقاطعة المنتجات الأمريكية والصهيونية عقب قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، أشارت تقارير اقتصادية عالمية إلى أن تهديدات المقاطعة يمكن أن تؤثر على مبيعات شركات بمليارات الدولارات في حال شملت الأسواق العربية بشكل واسع.
تقارير أوروبية حديثة أشارت إلى ارتفاع معدلات إفلاس الشركات الصغيرة والمتوسطة في بعض القطاعات الصناعية بنسبة 10–15% خلال السنوات الأخيرة، في ظل أزمات اقتصادية متراكمة، وتُعد المقاطعة أحد عوامل الضغط المؤثرة عند اتساعها واستمرارها.
هذه المعطيات تؤكد أن الاقتصاد الغربي، رغم ضخامته، شديد الحساسية تجاه المقاطعة المنظمة، خصوصًا عندما تستهدف أسواقًا استهلاكية كبرى.
المقاطعة وبناء المنعة الداخلية
لا يقتصر أثر المقاطعة الاقتصادية، وفق رؤية المشروع القرآني، على إضعاف العدو خارجيًا، بل يمتد ليشمل تحصين الجبهة الداخلية، وهو ما شدّد عليه قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، حيث تسهم المقاطعة في:
ـ ترسيخ الوعي الشعبي وتوجيه العداء نحو العدو الحقيقي.
ـ حماية المجتمع من الاختراق والعمالة والتطبيع.
ـ تشجيع الإنتاج المحلي وتقليص التبعية الاقتصادية؛ حيث أظهرت تقارير منظمة الفاو لعام 2022 أن الدول العربية التي دعمت الإنتاج المحلي الغذائي زادت نسب الاكتفاء الذاتي بنسبة 15–25% خلال 5 سنوات.
ـ الحد من استنزاف العملات الصعبة وبناء أسس الاكتفاء الذاتي؛ إذ يشير صندوق النقد الدولي 2023 إلى أن الإنفاق على الاستيراد الغذائي والتكنولوجي يصل إلى نحو 30–40% من احتياطي العملات الصعبة لبعض الدول العربية، ما يبرز أهمية دعم البدائل المحلية.
ـ وقد أثبتت تجارب متعددة أن المقاطعة، حين تتحول إلى ثقافة مجتمعية، تفتح المجال أمام بدائل وطنية، وتدفع باتجاه تنمية القطاعات الزراعية والصناعية.
أساس قرآني وموقف أخلاقي
يرتكز المشروع القرآني في دعوته للمقاطعة على أساس قرآني واضح، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ صدق الله العظيم، حيث اعتبر شهيد القرآن أن هذه الآية تمثل نموذجًا عمليًا لمقاطعة كل ما يخدم العدو، ولو كان في ظاهره بسيطًا، فكيف بما يضخ له المليارات ويعزز قدرته على العدوان والقتل.
ومن هذا المنطلق، تصبح المقاطعة الاقتصادية واجبًا دينيًا وموقفًا أخلاقيًا، قبل أن تكون خيارًا سياسيًا، لأنها تعني الامتناع الواعي عن تمويل الجرائم بحق الشعوب والمقدسات.
المقاطعة الاقتصادية سلاح الأمة
أثبتت المقاطعة الاقتصادية، كما طرحها المشروع القرآني وكرّسها عمليًا، أنها سلاح فعّال ومتاح، يضرب العدو في نقاط ضعفه، ويعيد للأمة ثقتها بقدرتها على التأثير، ومع اتساعها واستمرارها، تتحول من موقف احتجاجي إلى أداة استراتيجية تسهم في تغيير المعادلات، وتؤسس لمرحلة جديدة من الوعي والسيادة والاستقلال.
وفي ظل تصاعد العدوان وتكثف أدوات الهيمنة، تظل المقاطعة الاقتصادية إحدى أهم وسائل المواجهة، حين تُمارس بوعي، وتُحمل كجزء من مشروع قرآني متكامل لإحياء الأمة وبنائها على أسس راسخة.
21 سبتمبر