في كُـلّ مرة يعلو فيها منسوبُ التوتر في المنطقة أو ما يسمى “الشرق الأوسط”، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: هل يمكن لأمريكا، وتحديدًا في حال وجود ترامب في السلطة، أن تقدم على ضرب إيران؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يخفي خلفه شبكة معقدة من الحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية، تجعل من الإجَابَة عليه أقربَ إلى القراءة الاستراتيجية منها إلى التوقع السريع.

ترامب ليس رئيسًا تقليديًّا في سلوكه أَو خطابه؛ فهو يميلُ إلى رفع السقف، استخدام اللُّغة الصدامية، والتهديد المباشر، لكنه في العمق رجل صفقات لا رجل حروب طويلة.

تجربته السابقة في الحكم أظهرت بوضوح أنه يفضّل تحقيق المكاسب السياسية عبر الضغط النفسي والاستعراض العسكري، لا عبر الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة تستنزف أمريكا وتفقده أوراقه الداخلية.

 

كلفة القرار وفتح أبواب الجحيم

ضرب إيران ليس قرارًا عسكريًّا عاديًّا؛ فإيران ليست دولةً هامشيةً أَو معزولة يمكن التعامل معها بضربة خاطفة ثم طيّ الصفحة.

أي هجوم مباشر عليها يعني، بالضرورة، فتح أبواب ردود فعل متشعبة: من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن العراق إلى لبنان، وُصُـولًا إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

وهي كلفة لا يستطيع أي رئيس أمريكي، وخُصُوصًا ترامب، تحملها سياسيًّا في الداخل الأمريكي، حَيثُ يُسوّق نفسه بوصفه الرجل الذي أعاد “قوة أمريكا” دون إدخَالها في حروب كبرى.

 

السيناريوهات الواقعية مقابل المقامرة

السيناريو الأكثر واقعية، في حال اختار ترامب التصعيد، لا يتجاوز حدود الضربات المحدودة أَو غير المباشرة: عمليات سيبرانية، اغتيالات نوعية، ضغط اقتصادي إضافي، أَو تحريك أدوات إقليمية بالوكالة.

أما الحرب المباشرة مع إيران، فهي مغامرة يعرفُ صانعُ القرار الأمريكي أنها تفتحُ مسارًا لا يملِكُ مفاتيحَ إغلاقه.

ويزداد هذا الحذر حين نضع في الاعتبار أن إيران اليوم ليست كما كانت قبل عقدين؛ لقد راكمت خبرة واسعة في إدارة الصراع غير المباشر، وبنت شبكة نفوذ إقليمي قادرة على تحويل أي ضربة ضدها إلى عبء ثقيل على خصومها، دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية تقليدية شاملة.

الخلاصة: من هنا، يمكن فهم كثافة التهديدات الأمريكية، وخُصُوصًا الترامبية منها، بوصفها مؤشرًا على ضيق الخيارات أكثر من كونها تعبيرًا عن جاهزية للحرب؛ فالتهديد العالي النبرة غالبًا ما يكون بديلًا عن الفعل حين يكون الفعل مكلفًا.

ترامب قد يلوّح، يهدّد، ويرفع منسوب الضغط إلى أقصاه، لكنه يدرك أن ضرب إيران ليس قرار قوة بقدر ما هو مقامرة غير مضمونة العواقب.

وفي السياسة، ليس كُـلّ من يصرخ يريد أن يضرب، بل أحيانًا يصرخ لأنه يعرف أن الضربة أثمنُ مما يُحتمَل.