لا يخفى على كُـلّ من ينظر إلى الأحداث بعين البصيرة أن السر في توقيت كشف وثائق “جيفري إبستين” يكمن في كونه أدَاة ضغط لتنفيذ إملاءات كيان الاحتلال الصهيوني، وأهمها اليوم المباشرة في العدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمحور المجاهد الداعم للقضية الفلسطينية.

فمعركة “طوفان الأقصى” أرهقت كيان الاحتلال الصهيوني ووضحت للعالم مدى هشاشته، وهو يدرك أن إيران كانت العماد والسند الأَسَاسي لهذا الصمود، مما يجعل إزالتها هدفًا حتميًّا لتحقيق أحلامه التوسعية.

وقد بيَّنت الأحداث أن مواجهة المقاومة مباشرةً تكبده خسائر فادحة، فاتجه إلى حرب بالوكالة واستخدام الأدوات الناعمة لتحقيق ما عجز عن تحقيقه عسكريًّا.

 

الابتزاز كسلاح جيوسياسي

هذا الكشف المتدرج يسعى إلى الضغط على كُـلّ المتورطين في تلك الشبكة الإجرامية؛ لدفعهم جماعيًّا ليكونوا أدوات طيعة في المواجهة مع إيران.

وتظل هذه الوثائق تحتفظ بالمزيد من الأسرار التي سيتم الكشف عنها تباعًا؛ لضمان استمرار الخضوع وتنفيذ الأجندات المطلوبة، فلا يجرؤ أحد على الاعتراض أَو المخالفة طالما أن سيف الفضيحة مسلط على رقبته.

وبهذا يتحول الكشف من مُجَـرّد قضية فساد أخلاقي إلى سلاح جيوسياسي فعال في يد كيان الاحتلال الصهيوني، يستخدمه لتحريك بيادق السياسة العالمية وفق ما يخدم بقاءه وتوسعه على حساب أراضي ومقدرات الشعوب العربية والإسلامية.

 

صناعة الزعماء تحت مجهر الابتزاز

هنا تتضح الصورة كاملة: إن كيان الاحتلال الصهيوني يعمل منذ عقود لنصب شباكه واصطياد رجال المال والأعمال والزعماء عالميًّا، وغالبًا ما تتم الترشيحات للسلطة من بين من تم استهدافهم، ليصبحوا تحت سيطرة دائمة عبر أدَاة الضغط هذه، أَو تُصنع لهم فضيحة لاحقًا لابتزازهم.

وعندما تنتهي صلاحيتهم أَو يظهر بديل أكثر ولاءً، يتم التخلص منهم إما بفضيحة أخلاقية أَو مؤامرة سياسية.

وهنا ندرك معنى قول الله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾.

فها هو ترامب -على سبيل المثال- الذي خدم كيان الاحتلال الصهيوني بامتيَاز، لم يسلم من هذا المنطق، فكيف بغيره من القادة العرب والعالمين؟ كما يكشف هذا الأمر النقاب عن حقيقة أن دوائر القرار في أمريكا نفسها يوجهها هذا اللوبي الصهيوني، الذي لا يتخلى عن أي عميل أَو خادم إلا إذَا وجد البديل الأكثر طاعةً وانصياعًا.

 

الاختيار الواضح بين جبهتين

الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استيعاب حجم هذا الخطر الداهم، الذي لا يُحدّ فساده ولا تُوقف جرائمه إلا بالموقف الجهادي الثابت في سبيل الله، فهم -كما قال تعالى- ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَادًا﴾.

فصراع اليوم لم يعد غامضًا، بل صار واضحًا وضوح الشمس بين جبهتي الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر، وبين الطهر والخسة.

فمن يمثل الحق اليوم سوى من وقف في وجه مشاريعهم وغطرستهم، وهم إيران والمحور المجاهد في فلسطين واليمن ولبنان والعراق؟ وعلى كُـلّ من لا يزال يعادي إيران وهذا المحور أن يصحو من غفلته، فهذا العداء يعني -عمليًا- الوقوف في صف الفساد والظلم والطغيان، حتى لو ادعى الإنسان الإسلام.

لقد انكشفت الحقائق وسقطت الأقنعة، وأصبح الاختيار واضحًا لا لبس فيه.