إيران في مرمى العدوان الصهيوأمريكي
أفق نيوز| رهيب التبعي
لقد كشفت التطورات الإقليمية الأخيرة عن فجوة كبيرة بين السياسات الرسمية لبعض الدول العربية ومصالح شعوبها، وبين فهم هذه الأنظمة لموازين القوى الحقيقية في المنطقة.
فقد بدا أن حسابات هذه الدول تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبعض الأزمات الإنسانية الكبرى تقوم على الانحياز لمصالح القوى الكبرى، على حساب القيم الأخلاقية والإنسانية التي يُفترض أن تكون قاعدة أية سياسة رشيدة.
يكشف التاريخ المعاصر نمطًا متكرّرًا في تعامل أمريكا مع إيران؛ إذ تدعي الحوار والتفاوض، ثم تعود لتنفيذ هجمات وقصف مباشر على الأراضي الإيرانية، متجاهلة أية التزامات أخلاقية أَو سياسية!
تأتي هذه الاعتداءات في سياق أوسع للصراع الإقليمي، فالحرب التي تواجهها إيران ليست نزاعًا عابرًا، بل هي نتيجة طبيعية لموقفها الثابت في دعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية، ودعم المقاومة في العراق لطرد الاحتلال الأمريكي، والدفاع عن الحقوق والمقدسات الإسلامية والعربية.
لقد ضحت إيران ببلدها واستثمرت قدراتها للحفاظ على الأوطان العربية والمقدسات، من فلسطين إلى لبنان إلى العراق، في مواجهة الاحتلال والهيمنة الأجنبية.
ومع ذلك، جاء الخِذلان العربي واضحًا؛ إذ لم تتلقَ إيران من هذه الدول أي دعم حقيقي أَو موقف تضامني، بل اكتفت بعض الأنظمة بالمشاهدة أَو التواطؤ الصامت مع القوى الأجنبية.
لقد فقدت بعض الدول العربية فرصة استعادة أَو الحفاظ على التعاطف الشعبي مع القضايا الإنسانية الكبرى، كما ظهر بوضوح في موقفها من غزة قبل عامين، حين كان أهلها يتعرضون للقصف اليومي والقتل المتواصل، بينما كانت عواصم هذه الدول تتلألأ بمواسم الترفيه والانشغال بالملذات، بعيدًا عن واقع المعاناة الإنسانية.
إن فقدان التعاطف لم يكن مُجَـرّد تقصير رمزي، بل انعكس على مصداقية هذه الدول أمام شعوبها والعالم، وأظهر حجم التناقض بين ما تدعيه من دعم للقيم الإنسانية وبين ما تمارسه على أرض الواقع.
إن فداحة الموقف تتجلى أَيْـضًا في طريقة تعامل هذه الدول مع إيران، فبدلًا عن تقدير حقها المشروع في الدفاع عن نفسها ودعمها الثابت لقضايا الأُمَّــة العادلة، جاءت ردود الفعل العربية كأنها متفرج أَو متشفٍّ على معاناة الآخرين.
وقد انعكس ذلك على الرأي العام، وأفرغ من محتواه أي شعور بالارتباط الأخلاقي أَو التضامن الإنساني، وحوّل صورة هذه الدول إلى مُجَـرّد مظاهر القوة الزائفة، مع حرمان الشعوب من شعور بالكرامة الوطنية والأخلاقية.
كما أن استغلال الإعلام الرسمي والشعبي لهذه المواقف زادَ الطين بلة؛ إذ تُقدّم معاناة الفلسطينيين في غزة كأدَاة للترفيه النفسي أَو وسيلة لتأكيد الولاء للغرب، بينما تُسوّق أوهام الانتصارات الوهمية والقدرات العسكرية الزائفة، في حين أن الحقيقة على الأرض تقول غير ذلك.
كُـلّ ذلك يؤكّـد أن السياسات قصيرة النظر والمصالح الضيقة لن تجلب سوى الخيبة والفشل، وأن كُـلّ محاولة للتحايل على العدالة الإنسانية أَو تجاهل الحقائق ستكون لها نتائج عكسية على المدى الطويل.
إن التاريخ سيكتب مواقف الشعوب وليس الحكام، وسيحاسب من ساهم في تفويت الفرص الحقيقية للتضامن والدفاع عن الحق.
ففي الوقت الذي يحترق فيه الأبرياء على مقربة من بعض الأنظمة، بينما تتنافس هذه الأنظمة على مظاهر القوة الزائفة، تبقى الحقيقة الثابتة أن القوة الحقيقية ليست في التظاهر بالقوة أَو التواطؤ مع الطغاة، بل في الحق والعدل والتقوى، وهي التي تصنع العاقبة في النهاية.
إن التحالف مع القوى الظالمة، سواءٌ أكان عبر التواطؤ مع الأنظمة العربية أَو الدعم الأعمى لأمريكا، قد يمنح بعض الوهم بالسيطرة، لكنه في الواقع يحرم الأُمَّــة من القوة الحقيقية المبنية على الوحدة الأخلاقية والعدالة.
فالحق، والتقوى، والالتزام بالقيم الإنسانية هي التي تضمن السلامة والكرامة لكل شعوب المنطقة، وهي الأَسَاس في تحقيق الاستقرار والعدالة في المستقبل.
فإن الرسالة واضحة لكل المتصرفين والمراقبين: الله أعلى وأجل، والعاقبة للمتقين، وليس لمن يختار التحالف مع القوى الظالمة ضد إخوانه.
كُـلّ من خسر طريق الحق والعدل لن يجد خلاصه في أوهام القوة، وكل من وقف إلى جانب الحق، مهما ضاقت به السبل، فإن النهاية له بالنجاح، وفق إرادَة الله التي لا تُقهر.