في خضم الأحداث المتسارعة في المنطقة، يخرج علينا بعض الأصوات من دول الخليج بخطابٍ يفتقر إلى الاتساق، مدّعين أن إيران تستهدف “مسلمين” في دول عربية.. وهو طرحٌ يبدو في ظاهره دفاعًا عن الأُمَّــة، لكنه في حقيقته يكشف عن ازدواجيةٍ صارخة في المعايير، وتناقضٍ لا يمكن تجاهله.

فحين تتجه الضربات نحو القواعد الأمريكية ومصالحها، في سياق الرد على اعتداءات مباشرة، يُعاد توصيف المشهد فجأة على أنه استهداف للمسلمين، وكأن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بات مقدّسًا أَو منزّهًا عن كونه أدَاة هيمنة وعدوان.

بينما الحقيقة الواضحة أن هذه القواعد تمثل امتدادا لمشروع خارجي، لا علاقة له بسيادة الدول ولا بكرامة شعوبها.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين كان هذا الحرص على “المسلمين” عندما كانت الطائرات تقصف اليمن على مدى عشرة أعوام؟

هل كانت الأسواق الشعبيّة، والمدارس، والمستشفيات، والمساجد، أهدافا عسكرية؟

هل كان الأطفال والنساء والبنية التحتية في “يمن الإيمان” يشكلون تهديدًا يستدعي كُـلّ ذلك الدمار؟

إن من يزعم اليوم الدفاع عن المسلمين، مطالب قبل غيره بأن يراجع تاريخه القريب، وأن يجيب بصدق:

من هم “غير المسلمين” في اليمن الذين جاز استهدافهم؟

وأي منطق يبرّر قصف شعبٍ بأكمله، ثم البكاء على من هم داخل قواعد عسكرية أجنبية؟

هذه الازدواجية لا تخدم قضية، ولا تحمي أُمَّـة، بل تكرّس حالة من التضليل، وتغطي على حقائق باتت مكشوفة.

فالمعيار الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بالمواقف الثابتة التي تنحاز للحق حيثما كان، وترفض الظلم أيًّا كان مصدره.

لقد آن الأوان لإعادة تعريف البوصلة، بعيدًا عن الاصطفافات المصطنعة، والقراءات الانتقائية للأحداث.

فالأمة التي تريد أن تنهض، لا يمكن أن تبني وعيها على تناقض، ولا أن تقبل بمنطقٍ يجرّم الفعل في مكان، ويبرّره في مكانٍ آخر.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة أوضح من أن تُطمس: من يستهدف الشعوب ويدمّـر أوطانها لا يمكن أن يكون حريصًا على المسلمين، ومن يقاوم الهيمنة والعدوان ليس بحاجة إلى شهادة براءة من أحد.