خطاب الارتهان والتضليل في مواجهة مشروع المقاومة والصمود
أفق نيوز| أعده للنشر |طارق الحمامي
في اللحظة التي تتعرض فيها الأمة لأوسع موجة عدوان صهيوأمريكي تستهدف الأرض والإنسان والهوية، من غزة الصامدة إلى جنوب لبنان، ومن العراق واليمن إلى الجمهورية الإسلامية في إيران، يبرز على الضفة الأخرى خطاب سياسي وإعلامي يثير كثيرًا من التساؤلات حول طبيعة أولوياته، وموقعه الحقيقي من معركة الأمة المركزية، فبدلًا من توجيه الجهد السياسي والإعلامي نحو فضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي والدعم الأمريكي اللامحدود له، اختارت بعض القوى والأحزاب وفي مقدمتها حزب الإصلاح ومن يدور في فلكه أن تنخرط في خطاب يتقاطع مع سرديات العدو، عبر توجيه سهامها نحو قوى المقاومة والدول الإسلامية التي تتعرض أصلًا للعدوان والاستهداف.
خطاب يصنع عدوًا بديلاً
إن أخطر ما يكشفه هذا الخطاب هو محاولته المستمرة حرف بوصلة الصراع عن العدو الحقيقي، عبر صناعة خصوم بدلاء داخل جسد الأمة نفسها، خدمة للمشروع الصهيوأمريكي، ففي الوقت الذي تتعرض فيه غزة لحرب إبادة ممنهجة، ويواجه لبنان والعراق واليمن ضغوطًا واعتداءات متواصلة، يصر هذا الخطاب على إعادة تعريف الأولويات، بحيث تصبح المواجهة مع قوى المقاومة أو مع الدول الإسلامية المستهدفة هي القضية الأولى، بينما يُهمَّش أصل الصراع المتمثل في الاحتلال ومشروع الهيمنة الأمريكية في المنطقة، ومن منظور إعلامي، يمثل هذا النهج صورة واضحة لما يمكن تسميته بالتضليل الممنهج للوعي العام، إذ يتم استبدال القضية المركزية بقضايا فرعية وصراعات داخلية تستنزف الأمة وتفكك صفوفها.
تبني سرديات العدو وإعادة إنتاجها
لا يقف الأمر عند حدود الموقف السياسي، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تدوير المفردات التي يروّج لها الإعلام الأمريكي والإسرائيلي، فالمتابع للمحتوى الإعلامي الصادر عن بعض المنصات الحزبية والناشطين المحسوبين على هذه القوى يلحظ بوضوح مفردات تتطابق مع خطاب العدو في توصيف المقاومة، وفي تحميل قوى الإسناد مسؤولية التصعيد، مع تغييب متعمد لحقيقة أن الاحتلال هو أصل الأزمة ومصدر العدوان، إن هذا التماهي مع الرواية المعادية لا يمكن فصله عن حالة الارتهان السياسي التي جعلت بعض الأطراف أسيرة لمعادلات إقليمية ودولية، تقدم حسابات التحالفات الخارجية على حساب مصالح الأمة وقضاياها الكبرى.
محور المقاومة .. خطاب الدفاع عن المظلومين
في المقابل، يطرح محور المقاومة والصمود والجهاد نفسه بوصفه مشروعًا يرتكز على وحدة المصير ووحدة الساحات، فمن غزة إلى لبنان، ومن العراق إلى اليمن، يرفع هذا المحور شعار الدفاع عن الشعوب المظلومة، ويرى أن العدوان على أي جزء من الأمة هو عدوان على الجميع.
لقد جسدت مواقف قوى المقاومة خلال السنوات الأخيرة هذا المفهوم بوضوح، من خلال ربط جبهات الإسناد ببعضها، واعتبار القضية الفلسطينية محورًا جامعًا تتفرع عنه كل معارك التحرر والسيادة، ومن هذا المنطلق، ينظر أحرار الأمة في هذا المحور إلى ما يجري باعتباره معركة وجودية بين مشروع الهيمنة والاحتلال من جهة، ومشروع التحرر والكرامة من جهة أخرى.
الدلالة الأخطر .. تفكيك وعي الأمة
إن المقارنة بين الموقفين تكشف دلالة بالغة الخطورة، فبينما يصر محور المقاومة على إبقاء العداء موجّهًا نحو الاحتلال ومن يقف خلفه، تعمل بعض القوى الأخرى على إعادة توجيه الوعي الجمعي نحو صراعات داخلية بين أبناء الأمة نفسها، خدمة للعدو ، وهذا التحول لا يمثل مجرد اختلاف في الرؤية السياسية، بل يعكس في جوهره إسهامًا مباشرًا في تفكيك الوعي العام، وتشتيت الجهد الشعبي والإعلامي بعيدًا عن المعركة الحقيقية مع العدو الصهيوأمريكي الذي يستهدف الأمة بكلها ، إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمة ليس فقط القصف والصواريخ، بل أن تُنتزع منها قدرتها على تحديد عدوها الحقيقي.
ختاما ..
في زمن تتعرض فيه شعوب الأمة لحصار وعدوان غير مسبوق، يصبح الوعي هو خط الدفاع الأول، وأي خطاب يسهم في تبرئة العدو، أو يروّج لروايته، أو يحرّف البوصلة عن فلسطين وغزة ولبنان والعراق واليمن وإيران، إنما يشارك في خدمة مشروع الهيمنة والاحتلال، وفي المقابل، يبقى خطاب الصمود والمقاومة، بالنسبة لأنصاره، تعبيرًا عن إرادة الأمة في الدفاع عن نفسها وعن شعوبها المظلومة.
يمانيون