أفق نيوز
الخبر بلا حدود

سيد الانتصارات أحمد العزي.. مهندس “زلزال نجران” الذي أعاد تعريف النصر في زمن التحديات

45

أفق نيوز| محسن علي

“زلزال نجران” داخل العمق السعودي ليس مجرد تعبير وصفي أو مجازي لمعارك عسكرية ضارية دارت رحاها بين أبطال الجيش اليمني المسنود باللجان الشعبية من جهة وبين من أطلق عليهم السيد القائد في إحدى كلماته المتلفزة” أرانب الجيش السعوي” منذ العدوان الأمريكي السعودي على اليمن صيف2015، بل هو شهادة حية على بصمة قائد استثنائي ومهندس استراتيجي بارع تحدى كل المنطق العسكري التقليدي، إنه الشهيد أحمد محمود حمود العزي، الذي لُقب بـ”سيد الانتصارات” و”أسد الميدان”، تمكن، بشهادة رفاقه وخصومه على حد سواء، من قلب موازين القوى في جبهة نجران، وقاد أخطر العمليات النوعية التي أطاحت بـ”أسطورة القوة السعودية-الأمريكية”، محولًا تحصينات العدو إلى مجرد خردة أمام عزيمة رجاله، وأعاد صياغة مفهوم النصر في سياق الحروب غير المتكافئة.

يتتبع هذا التقرير المسيرة الاستثنائية لهذا القائد الفذ، من نشأته المتواضعة في قرى صعدة الوعرة، مرورًا بالتحاقه المبكر بـ”المسيرة القرآنية” وتكوينه الفكري والعسكري العميق، ومعاناته المريرة في سجون النظام السابق، وصولًا إلى قيادته لمعارك التحرير خلف الحدود الشمالية، وانتهاءً باستشهاده الغادر في حادث مدبر بتنسيق استخباراتي دولي معقد.

 

في صيف عام 2016، بينما كان جيش العدو السعودي يحتفل بشراء صواريخ “باتريوت” وتجهيز حدوده الشمالية بأحدث كاميرات المراقبة الحرارية متباهيا بالإسناد الأمريكي لعدوان أعلن من واشنطن على لسان السفير السعودي، كانت تلك التحصينات مجرد خردة أمام رجل قرآني قلب المعادلة، لم يكن قائدًا أو طيارًا تخرج من أكاديمية عسكرية، بل كان شابًا يمنيًا من قرى صعدة الوعرة، يبتسم في وجه الموت، ويخطط لهزائم تقول عنه وثائق البنتاغون إنها “غير مسبوقة في تاريخ الحروب غير المتكافئة”، إنه الشهيد المجاهد أحمد العزي عبقري الحرب الذي حوّل جبهة نجران إلى مقبرة للأساطير العسكرية السعودية.

 

النشأة والتكوين.. جذور الإيمان والشجاعة

ولد الشهيد أحمد محمد حمود العزي، المكنى “سيد أحمد”، في مطلع عام 1980 بمنطقة الصفراء، عزلة روشان، بمديرية الظاهر في محافظة صعدة، عاش طفولة ومراهقة في بيئة جبلية وعرة اشتهرت بالتمسك بالقيم الدينية والقبلية، بعد انتهائه من المرحلة الثانوية، لم يتجه العزي للتعليم الأكاديمي الجامعي، بل درس العلوم الشرعية والفقهية لنحو خمس سنوات، مما صقل شخصيته ومنحه عمقًا دينيًا ميزه عن غيره من القادة العسكريين.

كانت اللحظة المفصلية الأولى في حياة العزي مع بداية الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. حينها، اجتاحت المشاعر الجهادية المنطقة، وكان العزي من أوائل الشباب الذين سعوا للالتحاق بصفوف المقاومة العراقية لمواجهة القوات الأمريكية، تؤكد والدته أنه بذل جهودًا مضنية لاستخراج جواز سفر للتوجه إلى العراق، إلا أن عراقيل كثيرة حالت دون ذلك كما أكدت ذلك والدة الشهيد القيادي أحمد العزي، الذي يعد من الرعيل الأول للمسيرة القرآنية، فقد عرف عنه التمسك بمبدأ الذود عن الدين والأمة والجهاد لتغيير الواقع الرديء، ولم تتحقق أمنيته في تلك المرحلة، غير أن تلك الرغبة الفطرية في الجهاد ضد “الظلم العالمي” كانت بمثابة تمهيد لانخراطه لاحقًا في صراع أعمق وأقرب إلى وطنه الأم .

 

الميلاد العسكري الحقيقي.. حروب صعدة والمسيرة القرآنية

شهدت محافظة صعدة 7 من الحروب الظالمة بين عامي 2004 و2010، وكانت هذه الفترة هي الميلاد العسكري الحقيقي لأحمد العزي، في اليوم الأول للحرب الظالمة التي شنها نظام الصريع علي صالح على المسيرة القرآنية بقيادة الشهيد القائد المؤسس السيد حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليه” (المعروفة بحرب صعدة الأولى)، كان الشهيد أحمد العزي يشاهد صواريخ الكاتيوشا وهي تنهال على جبل “أم عيسى” بروشان، في تلك اللحظة، نطق بعبارته الشهيرة التي حددت مساره وأصبحت أيقونة بين رفاقه: “والله إن هؤلاء على حق، هؤلاء الذين قال عنهم الرسول الأكرم محمد صلوات الله عليه وعلى آله: لو ضربوا بالسيوف على أعناقهم ما زادونا إلا حبًا”، بعد ساعات قليلة من هذا المشهد، انطلق العزي حاملًا سلاحه لينضم إلى صفوف “المسيرة القرآنية”.

لم يكن العزي مجرد مقاتل عادي في بداية مسيرته، بل سرعان ما برز كأحد القادة الميدانيين الفاعلين،شارك في حروب صعدة الست، مقدمًا نموذجًا فريدًا في الشجاعة والتخطيط ففي الحرب الأولى، شارك في منطقة “الصيادعة” برفقة القائد قاسم أحمد الداعي، وفي الحربين الثانية والثالثة، أصيب في الحرب الثالثة، وتم أسره هو واثنان من رفاقه، وتلقى تعذيبًا شديدًا في سجون النظام السابق بصنعاء، لكنه خرج منه معتزًا ومتمسكًا بقضيته.

كما أسهم في تحرير منطقة “القطعة” (وادي آل أبو جبارة) عام 2013 في الحربين الرابعة والخامسة، حيث كانت المنطقة تُعد من أهم معاقل التنظيمات التكفيرية (داعش والقاعدة)، ليس في اليمن فقط بل في المنطقة، وتميز العزي في هذه الفترة بكونه “رجلًا للاستطلاع” و”مهندس عمليات” في آن واحد، حيث ، لم يكن يكتفي بالتخطيط من خلف المكاتب، بل كان دائمًا في طليعة المنفذين، يسبق جنوده إلى أخطر النقاط، وهي صفة نادرة صنعت جدارًا من الثقة المطلقة بينه وبين رفاقه المجاهدين .

 

قيادة جبهة نجران.. المهمة المستحيلة ومعجزة الانتصارات

مع بدء العدوان الأمريكي-السعودي على اليمن في 26 مارس 2015، كان لا بد من إعادة ترتيب الجبهات الشمالية، فأوكلت المهمة إلى القائد أحمد العزي ليشرف على “محور نجران” الشرقي العام، كانت المهمة شبه مستحيلة وفق المعايير التقليدية العسكرية، إذ واجه عدوًا يمتلك أفضل تجهيزات المراقبة (كاميرات حرارية، جوية ومدفعية)، وتضاريس وعرة، وخلال فترة وجيزة، تمكن العزي من تحقيق إنجازات غير مسبوقة، وفقًا للخبير العسكري العميد الركن عابد الثور من أهمها:

“إعادة هندسة البشر”: استقدم العزي مجموعات عسكرية متفرقة من كل مكان ونظمها وفق مهارات ومعايير دقيقة، والأهم أنه خرج من تحت يده جيل جديد من القيادات الميدانية من الصف الثاني، الذين أصبحوا “فاعلين ومستمرين على دربه” حتى بعد استشهاده.

“الهروب من المراقبة”: استطاع العزي تحريك كتائبه دون أن ترصدها التكنولوجيا الأمريكية، متحديًا كل كاميرات المراقبة الحرارية والطيران الاستطلاعي، اعتمد في ذلك على التضاريس التي يعرفها ككف يده، والتوقيتات التي يتفوق فيها البشر على الآلة.

“هزيمة الصورة”: لم يهزم العزي الجنود السعوديين فقط، بل هزم “الصورة الذهنية” عن الجيش الذي لا يُقهر في معارك الخرق والشرفة، شهد المراقبون الغربيون انهيارًا نفسيًا كاملًا للقوات السعودية في تلك الجبهة.

وصف الخبير العسكري العميد الركن عابد الثور ما حدث في نجران بأنه “ضرب من الأساطير”، مضيفًا أن ما حدث في نجران شكل “صدمة” للخبراء العسكريين العالميين، حيث “انهارت التجهيزات الفنية والهندسية للعدو وانعدمت فاعلية الغطاء الجوي في تلك المواجهات” لقد غير العزي كل المفاهيم القتالية.

 

القائد الإنسان.. ابتسامة في زمن الحرب وزهد في الميدان

لم تكن بطولات العزي مقتصرة على حنكته التكتيكية وعقليته العسكرية الفذة، بل كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بشخصيته الإنسانية الفريدة، وهنا يروي سفر الصوفي، مدير مكتب قائد الثورة، عن الأيام العصيبة قائلًا: “كان الشهيد العزي يضحك حتى عندما تسأله عن الأحداث الصعبة… يكلمك بكل راحة واطمئنان كبير جدًا، تكسب منه حتى من يتصل به الاطمئنان” .

عرف عنه الزهد والإيثار، فلم يكن يأخذ من الغنائم أكثر مما يأخذه أبسط جنوده، كان محسنا  يهتم بجنوده اهتمامًا بالغًا، يعرف أسماء العشرات منهم، ويتابع أحوالهم الشخصية، مجسدا مخوة المؤمنين الحقيقة التي استقاها من الثقافة القرآنية ، مما صنع نوعًا خاصًا من الولاء، هذه الصفات جعلت منه شخصية جذابة ومحفزة لروح الانتصار، وقائدًا يقتدى به في الشجاعة والزهد والابتسامة في وجه الصعاب .

 

لحظة الإرتقاء ..الاغتيال والتحول الاستخباراتي

بعد أن فشلت قوات التحالف المجرم بقيادة السعودية في إيقاف تقدم العزي عسكريًا في الميدان، لجأت إلى “الخيارات الناعمة”، تقول المصادر إن الاستخبارات الأمريكية (CIA) والصهيونية (الموساد) والخليجية، عمدت إلى تشغيل شبكات تجسس داخلية (مرتزقة وخونة) لتتبع خطوات القائد، لم تكن مهمتهم قتال العزي او مواجهته مباشرة، بل رصده في لحظة ضعف خارج الميدان.

بعد أن أنهى العزي جولة تفقدية في جبهة نجران، وتوجه للقيام بـ”مهمة” لم تُكشف طبيعتها بالكامل بعد إلى محافظة صعدة، تم رصده بدقة على الطريق،وفي فجر يوم الاثنين الموافق 1 أغسطس 2016، وأثناء وجوده في منطقة “طريق المحازم” بصعدة، تم استهدافه في حادث مدبر، ليرتقي شهيدا إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر عن عمر يناهز 36 عامًا، ووري جثمانه الطاهر الثرى في مسقط رأسه بـ”روضة روشان”.

 

مدرسة العزي وإعادة تعريف النصر

اعتبر خبراء عسكريون أن أكبر إنجازات العزي لم تكن تحرير الخرق أو الشرفة، بل تخريج جيل قرآني مجاهد من القادة على منهجه نفسه، استطاع أن يخلق بيئة عسكرية إيمانية متكاملة، حيث كان الحرص على رفع المستوى الإيماني لدى المقاتلين موازيًا للتدريب على السلاح، بفضل هذا الإرث، بقيت جبهة نجران محصنة وقادرة على الهجوم والضرب في العمق، حتى بعد سنوات من رحيله، وهذا هو تعريف “الإرث المستدام” في العمل العسكري، بعد أن أثبت للعالم أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع النصر، فالمعركة بالنسبة له كانت إرادة ومبادئ، وإن تحويل المواجهة من حرب مواقع إلى حرب استنزاف وهجمات خاطفة في العمق خلف الحدود، هو النموذج الذي أسسه العزي وظل معمولًا به.

 

ختاما..

لم يكن أحمد العزي مجرد قائد عسكري أسقط أجهزة دفاعية متطورة، بل كان حالة إنسانية نادرة في زمن الحرب والسلم معا، جمع بين حدة البأس في الميدان ورحابة الصدر في التعامل الإنساني، ورغم أن الرصاصة الغادرة أنهت حياته عام 2016، إلا أنها كتبت له السعادة الأبدية والحياة الدائمة ليظل اسمه يتردد في جبال نجران كرمز للكرامة التي هزمت الجيوش المدججة بأحدث الأسلحة، وكما قال فيه رفاقه: “هو أسد الميدان وأسطورة المعارك… ذليل للمؤمنين، سلاح مصوب ومسدد لكل طاغية”.