أفق نيوز
الخبر بلا حدود

أحزان تتجدد.. كيف أصبحت “تنومة” جرحاً غائراً في الذاكرة الجمعية للإنسان اليمني؟

36

أفق نيوز| تقرير| خاص

مع كل عام يمر، لا تزال دماء الحجاج اليمنيين التي سُفكت في “وادي تنومة” عام 1923، تحضر بقوة في الذاكرة الجمعية للشعب اليمني. ليست مجرد حادثة تاريخية عابرة، بل هي جرحٌ لا يندمل، ومظلومية يتوارثها الأجيال، تذكرهم بواحدة من أبشع المجازر التي طالت ضيوف الرحمن في العصر الحديث.

“تنومة”.. قصة الغدر بالآلاف

في طريقهم إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، تعرضت قوافل الحجاج اليمنيين لعملية إبادة جماعية في وادي “تنومة” (بمنطقة عسير). تشير الروايات التاريخية الموثقة إلى أن نحو ألفي حاج يمني، بينهم علماء ووجهاء، تعرضوا لمذبحة مروعة نُفذت بدم بارد. هؤلاء الحجاج الذين خرجوا من ديارهم ملبّين للنداء الإلهي، لم يدر بخلدهم أنهم يمشون نحو حتفهم على أيدي من كان يفترض بهم حمايتهم وتأمينهم في أطهر بقاع الأرض.

لماذا ظلت “تنومة” جرحاً غائراً؟

يرى المؤرخون والباحثون اليمنيون أن “تنومة” ليست مجرد مجزرة، بل هي رمز لمظلومية مستمرة. وتتجلى أسباب استمرار هذا الجرح في عدة عوامل:

  1. حجم المأساة: إن إبادة قوافل كاملة من الحجاج العزل تركت صدمة نفسية واجتماعية عميقة لدى اليمنيين، حيث لم تكن هناك عائلة إلا وكان لها شهيد أو قريب في تلك القوافل.

  2. محاولات الطمس: لطالما واجهت المطالب اليمنية بفتح ملف هذه المجزرة سياسة “النسيان الممنهج” والإنكار من قبل الأطراف المتورطة، وهو ما زاد من إصرار اليمنيين على إحياء الذكرى كنوع من التحدي التاريخي للظلم.

  3. الارتباط الديني والوطني: بالنسبة لليمني، الحج هو رحلة مقدسة، واستهداف الحجاج هو اعتداء على قدسية الشعيرة وعلى كرامة الإنسان اليمني في آنٍ واحد.

الذاكرة الجمعية: “لا تسقط بالتقادم”

على الرغم من مرور أكثر من قرن على الحادثة، إلا أن “تنومة” حاضرة اليوم في الخطاب الشعبي، وفي الفعاليات الثقافية والسياسية في اليمن. تتحول هذه الذكرى سنوياً إلى منصة لتجديد المطالبة بالعدالة، والتذكير بأن الجرائم ضد الإنسانية، حتى وإن تقادم الزمن عليها، تظل حية في وجدان الشعوب التي ترفض نسيان شهدائها.

صوت اليمنيين: العدالة أولاً

تتكرر الدعوات في صنعاء وفي مختلف المحافظات اليمنية بضرورة تدويل قضية “تنومة”، والمطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل لكشف ملابسات المجزرة وتوثيق الحقائق. يؤكد الناشطون اليمنيون أن الهدف من إحياء هذه الذكرى ليس إثارة الفتن، بل استرداد الحق التاريخي والمعنوي، وتأكيداً على أن دماء اليمنيين ليست رخيصة، وأن الذاكرة اليمنية حية لا تغيب عن حقوقها.

الخاتمة:

تبقى “تنومة” شاهدة على حقبة مظلمة، ودرساً قاسياً في تاريخ المنطقة. ومع تجدد الأحزان كل عام، يؤكد الشعب اليمني أن التمسك بذاكرته هو طريق الدفاع عن هويته وحقوقه، وأن “تنومة” ستبقى حاضرة كجرحٍ لا يغلقه إلا كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.