أربعة عقود من العطاء.. المقاومة اللبنانية تسطر ملاحم الصمود في وجه التوسع الصهيوني
أفق نيوز|
منذ بداية الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، شكّل الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة لمشروع احتلال طويل الأمد سعت من خلاله “إسرائيل” إلى فرض واقع أمني وسياسي جديد يضمن لها السيطرة على الحدود الشمالية، ويؤسس لمنطقة نفوذ عسكرية دائمة داخل الأراضي اللبنانية، لكن هذا المشروع اصطدم منذ اللحظات الأولى بحالة رفض شعبي ومقاومة متصاعدة، تحولت مع مرور السنوات إلى قوة منظمة نجحت في إفشال أهداف الاحتلال ومنع تمدده، لتصبح المقاومة اللبنانية العامل الحاسم في حماية لبنان ومنع سقوطه تحت السيطرة “الإسرائيلية”
في السنوات الأولى للاحتلال، بدأت عمليات المقاومة بشكل محدود عبر مجموعات لبنانية استهدفت القوات “الإسرائيلية” المنتشرة في الجنوب، قبل أن تتطور تدريجياً إلى حرب استنزاف متواصلة بين عامي 1985 و2000. واعتمدت المقاومة خلال تلك المرحلة على الكمائن والاستهدافات الدقيقة للمواقع العسكرية والدوريات التابعة لجيش الاحتلال داخل ما عُرف بـ”الشريط الحدودي”، الأمر الذي أدى إلى إنهاك المنظومة العسكرية “الإسرائيلية” ورفع كلفة الاحتلال بشرياً وسياسياً وأمنياً .
الإنسحاب من جنوب لبنان
لم تكن تلك العمليات مجرد مواجهات متفرقة، بل شكلت استراتيجية استنزاف حقيقية أجبرت “إسرائيل” على إعادة تقييم وجودها العسكري في جنوب لبنان، بعدما تحولت المنطقة إلى ساحة استنزاف يومي للقوات المحتلة.
ومع تصاعد الضربات وفشل الاحتلال في تحقيق الاستقرار الأمني، بدأت ملامح الانهيار تظهر داخل المنظومة العسكرية التي كانت تدير الاحتلال في الجنوب ، وجاءت نقطة التحول الكبرى في عام 2000 عندما اضطرت “إسرائيل” إلى الانسحاب الأحادي من جنوب لبنان دون اتفاق سلام أو ترتيبات سياسية مباشرة، في خطوة عكست حجم الضغط العسكري الذي فرضته المقاومة على مدى سنوات طويلة ، فقد أدى تراكم العمليات العسكرية إلى انهيار منظومة الاحتلال وعدم قدرة القوات “الإسرائيلية” على البقاء داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما اعتُبر أول هزيمة واضحة لـ”إسرائيل” وانكساراً لمشروعها التوسعي في لبنان.
هذا الانسحاب لم يكن مجرد حدث عسكري، بل شكل تحولاً استراتيجياً في المنطقة، إذ أثبت أن المقاومة المسلحة قادرة على فرض معادلات جديدة وإجبار “إسرائيل” على التراجع ، ولولا المقاومة اللبنانية آنذاك، لكان الاحتلال قد تمكن من تثبيت وجوده العسكري والسياسي وربما التوسع نحو مناطق أعمق داخل لبنان، بما فيها العاصمة بيروت.
هزيمة تموز 2026
بعد انسحاب عام 2000 دخل الصراع مرحلة أكثر تعقيداً، خصوصاً مع محاولة “إسرائيل” استعادة قوة الردع التي تضررت نتيجة انسحابها من جنوب لبنان ومن قطاع غزة لاحقاً عام 2005.
وفي 12 يوليو/تموز 2006، شنت “إسرائيل” عدواناً واسعاً على لبنان عقب نجاح حزب الله في أسر جنديين “إسرائيليين” بهدف مبادلتهما بأسرى لبنانيين وفلسطينيين. وبدلاً من التفاوض، اختارت “تل أبيب” شن حرب شاملة تضمنت قصفاً جوياً مكثفاً وحصاراً بحرياً وتوغلات برية في الجنوب اللبناني، واضعة أهدافاً كبيرة تمثلت في القضاء على حزب الله ونزع سلاحه واستعادة قدرة الردع .
وخلال الحرب، حاول جيش الاحتلال السيطرة على بلدة بنت جبيل في 24 يوليو/تموز 2006 باعتبارها رمزاً معنوياً للمقاومة، إلا أن القوات “الإسرائيلية” واجهت مقاومة شرسة أدت إلى مقتل 13 جندياً وإصابة العشرات، ما أجبرها على الانسحاب لاحقاً. وتحولت معارك الجنوب اللبناني إلى نموذج جديد لحرب الاستنزاف التي عطلت قدرة الاحتلال على تحقيق تقدم حاسم.
ورغم شدة العدوان الذي استمر 33 يوماً، انتهت الحرب في أغسطس/آب 2006 دون أن تحقق “إسرائيل” أهدافها، فقد استمرت الصواريخ اللبنانية في استهداف شمال فلسطين المحتلة حتى اللحظات الأخيرة قبل وقف إطلاق النار بموجب القرار 1701، بينما فشلت “إسرائيل” في القضاء على المقاومة أو تحرير جنودها بالقوة، ليتم الإفراج عنهم لاحقاً عبر مفاوضات غير مباشرة.
في المقابل، خرج حزب الله من الحرب أكثر تنظيماً وقدرة، حيث أشارت تقديرات “إسرائيلية” لاحقاً إلى امتلاكه ترسانة صاروخية ضخمة تجاوزت 150 ألف صاروخ مقارنة بنحو 14 ألفاً فقط قبل حرب 2006، إضافة إلى تطور كبير في بنيته العسكرية والتقنية والتكتيكية، ما عزز معادلة الردع ومنع “إسرائيل” من التفكير مجدداً باحتلال الأراضي اللبنانية.
معركة طوفان الاقصى وإسناد غزة
مع اندلاع معركة “طوفان الأقصى”، أعلن حزب الله في 8 أكتوبر2023 انخراطه في المواجهة عبر فتح جبهة جنوب لبنان وتنفيذ عمليات استهدفت المواقع العسكرية “الإسرائيلية” بالصواريخ والمدفعية، في إطار إسناد غزة والمقاومة الفلسطينية.
وشكلت هذه المشاركة جزءاً أساسياً من استراتيجية “وحدة الساحات”، حيث فرضت جبهة لبنان ضغوطاً عسكرية واستراتيجية مباشرة على “إسرائيل” .
ونجح حزب الله خلال تلك المرحلة في فرض قواعد اشتباك جديدة أجبرت جيش الاحتلال على توزيع قواته بين غزة ولبنان، ما أدى إلى استنزاف قدراته العسكرية وإضعاف قدرته على التركيز الكامل على قطاع غزة.
كما استهدفت عمليات المقاومة مواقع المراقبة والتجسس والتجمعات العسكرية والمستوطنات الشمالية، الأمر الذي تسبب في نزوح عشرات الآلاف من المستوطنين من شمال فلسطين المحتلة وتحول الجبهة الشمالية إلى جبهة استنزاف مفتوحة.
ولعبت مشاركة حزب الله دوراً مهماً في الحفاظ على نتائج “طوفان الأقصى” وإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية، إضافة إلى كسر صورة الردع “الإسرائيلية” وإظهار هشاشة البنية الأمنية والعسكرية للاحتلال رغم تفوقه التكنولوجي والعسكري.
وأمام تصاعد الضغط العسكري، شنت “إسرائيل” عدواناً واسعاً على لبنان تخلله تنفيذ سلسلة اغتيالات استهدفت قيادات بارزة في حزب الله، من بينها اغتيال الأمين العام السابق السيد حسن نصر الله، في محاولة لإضعاف البنية القيادية والعسكرية للحزب وإرباك منظومة القيادة والسيطرة لديه.
لكن رغم الضربات والاغتيالات، واصل حزب الله تنفيذ عملياته العسكرية مستنداً إلى بنية تنظيمية واسعة وشبكات عسكرية وأمنية متشعبة، ما أجبر “إسرائيل” في نهاية المطاف على القبول باتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2024، رغم استمرار الخروقات “الإسرائيلية” داخل الأراضي اللبنانية.
وخلال المرحلة اللاحقة، اتبع حزب الله سياسة عدم الرد المباشر على الخروقات، في ظل انشغاله بإعادة تنظيم صفوفه وترتيب قدراته استعداداً لجولات قادمة من الصراع.