أفق نيوز
الخبر بلا حدود

المرأة اليمنية.. تجسيدٌ معاصر لـصبر بطلة كربلاء (العقيلة زينب ع) في وجه الطغيان

31

أفق نيوز| محسن علي

لم تكن بطلة كربلاء السيدة العقيلة زينب (عليها السلام) مجرد شاهدة على مأساة كربلاء، بل كانت “المهندسة الإعلامية” التي منعت طمس معالم الثورة الحسينية للإمام الحسين عليه السلام، فمنذ اللحظة التي دوّى فيها صوت العقيلة زينب بنت علي (عليها السلام) في أروقة قصر يزيد، معلنةً أن “كِد كيدك، واسعَ سعيك، فوالله لا تمحو ذكرنا”، لم تعد القضية مجرد واقعة تاريخية انتهت في كربلاء، بل تحولت إلى “نهج حياة” عابر للأزمان، واليوم، في قلب المعاناة اليمانية، نجد “زينبيات العصر” وهن يواجهن هول الحرب والحصار برباطة جأشٍ أذهلت العالم، حيث يبرز هذا النهج كأقوى سلاح في يد المرأة اليمنية التي استلهمت من “بطلة كربلاء” كيف يكون الصمود عبادة، وكيف تتحول التضحية إلى انتصار أخلاقي يزلزل عروش الطغاة المعاصرين.

شعلة لا تنطفئ في وجه الظلم

بعد فاجعة كربلاء الأليمة، حيث استشهد الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وصحبه، في زمنٍ ساد فيه الظلم والطغيان، وبلغ فيه الفجور الأموي أوجه، وقفت السيدة زينب بنت علي عليها السلام، بطلة كربلاء، عظيمةٌ شامخةً كالجبل، لتُسطّر بكلماتها ومواقفها أروع ملاحم الصبر والثبات، ورغم هول الفاجعة غير أنها لم تزدها إلا قوةً وعزيمةً على مواجهة يزيد بن معاوية وكشف زيف سلطانه.

فلم تستسلم السيدة زينب عليها السلام لليأس أو الخوف، بل تحولت إلى قائدةٍ فذةٍ، حملت على عاتقها مسؤولية إيصال رسالة الثورة الحسينية وفضح جرائم بني أمية، فقد كانت خطبها النارية في الكوفة والشام، أمام الطاغية يزيد بن معاوية، بمثابة صفعاتٍ مدويةٍ أيقظت الضمائر وكشفت حقيقة الظلم الأموي.

ولقد أظهرت شجاعةً منقطعة النظير وصبرًا لا يتزعزع، وهي ترى أبناءها وإخوتها يُقتلون أمام عينيها، وتُساق أسيرةً في مواكب الترهيب، لكنها لم تنحنِ، بل وقفت شامخةً، تدافع عن الحق وتُعلي كلمة الله، فقد كان دورها حاسمًا في حفظ بقايا أهل البيت عليهم السلام، وفي إبقاء جذوة الثورة مشتعلةً، لتُصبح رمزًا للمقاومة والصمود لكل الأجيال.

 

الدور الزيبني في إزهاق الطغيان

لقد واجهت السيدة زينب (عليها السلام) في مجلس يزيد بن معاوية منظومة إعلامية وسياسية متكاملة حاولت تصوير الثورة الحسينية كـ “خروج عن الطاعة”. لكن العقيلة، بذكائها الانفعالي الخارق وفصاحتها العلوية، استطاعت قلب الطاولة على الطاغية.

سلاح الخطاب: استخدمت السيدة زينب أسلوب “الاسترجاع التاريخي” حين خاطبت يزيد بـ “يا بن الطلقاء”، مذكرةً إياه بجذور أسرته ومقارنتها بجذورها النبوية، مما أحدث شرخاً في شرعيته السياسية أمام حاشيته والوفود الأجنبية.

إدارة الأزمة: بعد استشهاد أخيها الإمام الحسين، تولت السيدة زينب القيادة الفعلية للقافلة، ليس فقط لحماية النساء والأطفال، بل لحماية “الوعي الجمعي” للأمة من التزييف، فلقد حولت رحلة السبي من رحلة ذل إلى “موكب نصر إعلامي” جاب الكوفة والشام.

 

عظمة الصبر.. فلسفة “ما رأيتُ إلا جميلاً

عندما سألها ابن زياد بلهجة الشماتة: “كيف رأيتِ صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟”، أجابت بيقينٍ هز أركان قصره: ما رأيتُ إلا جميلاً هذه العبارة ليست مجرد كلمات، بل هي “بيان فلسفي” يرى في البلاء تكاملاً وفي الشهادة كرامة، بل يعد هذا اليقين هو الذي منع الانهيار النفسي للقافلة، وهو الذي جعل من كربلاء مدرسة لا تنتهي.

 

إزهاق الفجور والطغيان.. انتصار القيم على القوة المادية

أثبتت السيدة زينب أن “الكلمة” أقوى من “السيف” عندما تكون نابعة من حق، فأمام خطابها العظيم سقط يزيد سياسياً وأخلاقياً في اللحظة التي تكلمت فيها زينب، واليوم أيضا، تسقط كل المبررات الواهية للعدوان أمام ثبات المرأة اليمنية التي أثبتت أن القوة المادية تعجز عن كسر “الإرادة الزينبية”.

 

المرأة اليمنية.. “الزينبية المعاصرة” في مواجهة الطغيان

لا يمكن الحديث عن صمود المرأة اليمنية اليوم بمعزل عن التأثير العميق لشخصية السيدة زينب، كما إن الرابط بينهما ليس مجرد رابط عاطفي، بل هو “ارتباط منهجي” يتجلى في صور متعددة:

أمهات الشهداء: في اليمن، نجد الأم التي تفقد عدداً من أبنائها، وبدلاً من الانكسار، تستقبلهم بيقينٍ وثبات، متمثلةً موقف السيدة زينب وهي ترفع جسد أخيها الحسين قائلة: “اللهم تقبل منا هذا القربان”

الصمود في وجه الحصار: المرأة اليمنية التي تدير شؤون منزلها ومجتمعها في ظل حصار خانق، وتصنع من الصبر حياة، هي الامتداد الحقيقي لـ “مدبرة شؤون القافلة” في أصعب الظروف التاريخية.

الوعي والتحرك الثقافي: لم تكتفِ المرأة اليمنية بالصبر، بل تحركت ثقافياً وإعلامياً لتوضيح مظلومية شعبها وكشف زيف المبررات التي يسوقها المعتدون، مقتفيةً أثر العقيلة في فضح زيف السلطة الأموية.

 

صمودٌ يماني بروح زينبية

في اليمن اليوم، تُعيد المرأة اليمنية كتابة التاريخ بأحرفٍ من نور، وهي تواجه ظروفاً استثنائية وتحديات قاسية،  فكما وقفت السيدة زينب في وجه الطغيان الأموي، تقف المرأة اليمنية اليوم صامدةً في وجه التحديات الجسام، تُقدم التضحيات تلو التضحيات، وتُربي الأجيال على العزة والكرامة، وتُجسد أسمى معاني الصبر والتضحية، فهي الأم التي تُفقد أبناءها في سبيل المبادئ، والزوجة التي تُعيل أسرتها في ظل ظروفٍ معيشية صعبة، والأخت التي تُشارك في ميادين العطاء والبناء، سيما وأنها تُشارك في كل ميادين الحياة، من الزراعة إلى التعليم، ومن الصحة إلى العمل الاجتماعي، مُثبتةً أنها شريكةٌ أساسيةٌ في صناعة النصر والصمود، ومن خلال ذلك استلهمت ” زينبيات العصر” من سيرة السيدة زينب عليها السلام دروسًا في الثبات، وأدركت أن الحق لا يموت ما دام هناك من يدافع عنه، وتُدرك أن تضحياتها هي جزءٌ من معركة الكرامة والعزة التي تُشبه في جوهرها ومبادئها القيم التي ضحت من أجلها بطلة كربلاء.

 

ختاما..

إن قصة السيدة زينب والمرأة اليمنية ليست تقريراً عن الماضي ولا مجرد حكاية تاريخية، بل هي استشراف للمستقبل، ومنارةٌ تُضيء دروب الصامدين والمضحين في كل زمانٍ ومكان، سيما وأن “العظمة الزينبية” هي مدرسة الصبر الاستراتيجي التي حولت المأساة إلى طاقة بناء، وهي التي تجعل من المرأة اليمنية اليوم “أيقونة عالمية” للصبر، ومن تلك المدرسة الطاهرة علمتنا زينب أن الطغيان، مهما بلغت قوته، هو “زبدٌ يذهب جفاء”، وأن صمود النساء الواعيات هو الذي “يمكث في الأرض” ليصنع فجر الحرية، وأنها قادرةٌ على صناعة المعجزات في أحلك الظروف، مُجسدةً بذلك أروع صور العزيمة والإباء المستلهمة من “عقيلة بني هاشم”.