أفق نيوز
الخبر بلا حدود

عاشوراء.. الانقلاب العلني على الدين الإسلامي

44

أفق نيوز| إبراهيم محمد الهمداني

لم تكن واقعة كربلاء – في العاشر من محرم سنة 61 للهجرة – مجرد حدث تاريخي عابر، أو معركة عسكرية عادية، أو نهاية مرحلة صراع سياسي، وليست أحداثها وتفاصيلها، مما يمكن توصيفه بالمصطلحات الحديثة، مثل الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، أو الإفراط في ممارسة العنف، وإنما هي حدث آخر مختلف عن كل أحداث الدنيا، وما حدث فيها فاق كل التوصيفات، وتجاوز دلالات كل المصطلحات والمفاهيم، فهي أقصر معركة في التاريخ، وهي أطول مراحل الصراع بين الخير والشر، مازالت مفاعيلها وتداعياتها ورسائلها، مستمرة وباقية وحاضرة إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله تعالى، ذلك لأنها لم تكن مجرد معركة، بل كانت وما تزال ملحمة حية خالدة، حفظت النهج الإلهي القويم، وسنَّت تقديم أعظم القرابين والتضحيات، في سبيل نصرته وبقائه، وتمام نور الله واستمراره إلى الأبد.
يمكن القول إن مأساة بحجم مأساة كربلاء، وفاجعة إبادة آل بيت رسول الله، بسيف محسوب على الدين الذي جاء به، لا يمكن الإحاطة بها، دون النظر في أبعادها الرئيسية، على النحو التالي:

– البعد الزمني
لم تكن الفترة الزمنية التي حصلت فيها جريمة الانقلاب على الدين الإسلامي، بعيدة بما يكفي عن العهد النبوي، وعن ما أسسه وأرساه النبي محمد – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – من القيم والمبادئ الأخلاقية والإنسانية، ومن جوهر الدين الإسلامي الحنيف، كما أن فترة الخمسة العقود، فيما بين وفاة النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وحادثة كربلاء الأليمة، كانت مازالت تحتفظ بالكثير من الحقائق، المتصلة بحقيقة الدين ومكانة النبي وآل بيته فيه، ولم تكن تلك الحقائق قد غابت عن وعي المجتمع المسلم، ولو لم يكن إلا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: “حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا”، لكان سببا كافيا لمنع تلك الجريمة النكراء، التي تجاوزت شعور الكراهية تجاه الحسين، إلى ممارسة الإجرام بحقه، والإقدام على قتله وإبادة وتصفية أهل بيته، عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.

– البعد الشخصي
لا يمكن الحديث عن؛ من هو الإمام الحسين عليه السلام، في هذا المقام، بموازاة الحديث عن: من هو يزيد عليه لعنة الله، لأن ذلك مما ينافي العدل ويجافي المروءة، أن تجري المقارنة بينهما، إذ لا وجه للمقارنة، “أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون”، “أفنجعل المسلمين كالمجرمين”، كلا.. فذلك من المحال عقلا ومنطقا وواقعا، وإنما يذكر كل منهما في مقامه المنفصل، ولا يمكن النظر إلى ما كان بينهما، بوصفه خلافا شخصيا خاصا، بل هو صراع بين مشروعين متناقضين تماما، بين حزب الله النجباء، الذين اصطفاهم الله وطهرهم تطهيرا، وأوجب توليهم ومحبتهم، وحزب الشيطان الطلقاء، الذين لعنهم الله في كتابه، وأوجب عداوتهم ومحاربتهم.
لم يكن عداء المنحرفين عن نهج الولاية، لآل البيت عداء شخصيا، بقدر ما كان عداء لله تعالى ورسوله، وللنهج والنور الإلهي المبين، الذي يحمله أئمة الحق وأعلام الهدى، من آل بيت النبوة عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، ولذلك يمكن القول إن طابع الصراع، كان أكثر من شخصي أو عائلي، بل هو صراع حضاري بين قيم الخير ومنظومة الشر، بين النهج الإلهي القويم، ممثلا في رسول الله وآل بيته عليهم الصلاة والسلام، والنهج الشيطاني الضلالي، ممثلا في الشجرة الملعونة في القرآن، من بني أمية خاصة، ومن نهج نهجهم عامة، بين قيم الخير والفضيلة، وقيم الشر والرذيلة، بين أئمة الحق وأعلام الهدى، وأئمة الكفر والشرك والضلال.
ولذلك كان وما يزال حزب الشيطان الطلقاء، يرون في حزب الله النجباء، العدو الأول والخطر المحقق، على تموضعهم الوجودي الاستكباري، ونهجهم الفكري الاستبدادي، ومشروعهم الشيطاني الإجرامي الإفسادي، ومازالت تلك نظرتهم وذاك موقفهم، منذ مؤامرة السقيفة، ومؤسسي الانحراف المنافقين الأوائل، ومن تلاهم من بني أمية، وصولا إلى منافقي وفساق العصر، ممن اتخذوا دين الله دغلا وعباد الله خولا ومال الله دولا، ولا فرق بين من حملوا لقب “أمير المؤمنين” زورا وبهتانا، ومن اتخذ لقب ملك أو زعيم أو رئيس، وليس أدل على كفرهم وفسقهم وفجورهم، مثل عداوتهم المطلقة لأعلام الهدى وأئمة الحق، والآمرين بالقسط من الناس، ومسارعتهم في حربهم والقضاء عليهم، بالإضافة إلى نفاقهم الواضح ومسارعتهم في تولي أعداء الله ورسله، وميلهم وحبهم لليهود والنصارى.

– البعد الاجتماعي
تغييب واستهداف وإقصاء آل البيت عليهم السلام، ثم تغييب ومضايقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار عامة، ثم استهداف مجتمع المدينة خاصة، من الذين تبوأوا الدار والإيمان، الذين يحبون من هاجر إليهم، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وتفكيك البنية الإيمانية الجامعة، للمجتمع المسلم الأصيل، وعزله عن أعلام الهدى من آل بيت النبوة عليهم السلام.

وفي المقابل عمل نظام السقيفة ومن تلاه، على إحلال النزعة القرشية، وإعلاء العنصرية الأموية السلالية، وإثارة العصبيات القبيلة والنعرات الطائفية والثارات الجاهلية، الأمر الذي جعل حضور الدين في المجتمع الإسلامي، عبارة عن انتماء شكلي، وطقوس وشعائر تعبدية، فارغة من محتواها الروحي، ووظيفتها الاتصالية بالله سبحانه وتعالى.

– البعد الديني
قام علماء البلاط الضالين المضلين، بتفصيل الدين على مقاسات رغبات وأهواء الحكام، وتحويله إلى تابع لتبرير وشرعنة، مخالفاتهم وانحرافاتهم وانقلابهم، وبالتالي خروجهم عنه علنا، وإنكارهم لما هو معلوم منه بالضرورة، ليصل الأمر إلى قبول ولاية أمر يزيد عليه لعنة الله، وهو المعروف بين جميع المسلمين، بفسقه وكفره وشربه الخمر، ومجاهرته بالمعاصي واستحلاله المحارم، ورغم ذلك فُرِضت ولايته على الأمة الإسلامية غصبا؛ ذلك لأن من أجاز أوليات الانحراف عن خط الولاية، وتهاون في مخالفة أمر الله ورسوله، وعدل عن الإمام علي – عليه السلام – إلى تولية أبي بكر، قد أجاز بعدها القبول بالثاني والثالث، رغم عدم أهليتهما مطلقا، ولم يكن معاوية غير صنيعة ذلك الانحراف الرهيب، الذي أنتج بدوره صورة الانسلاخ المرعب، والانقلاب العلني على الدين الإسلامي جملة وتفصيلا، في تولي شخص يزيد الكافر الفاسق، على رقاب المسلمين، ليبايعوه عبيدا وأقنان خالصين، ملكية خاصة يفعل بهم ما يشاء، ولا يملكون من أمرهم شيئا.
هكذا شهد المجتمع المسلم، أغرب حالة تحول جماعي، من العبودية لله سبحانه وتعالى وحده، بما فيها من العزة والكرامة والحرية والرفعة، إلى العبودية المطلقة ليزيد الكافر الفاسق المجرم، المجاهر بالمعاصي وشرب الخمور، المستحل للحرمات علنا، المنكر للنبوة والرسالة الإلهية، بقوله (لعنه الله وأخزاه):

لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء ولا وحي نزل

– البعد السياسي
لم يكن النظام السياسي الذي أفرزته السقيفة، قادرا على إنتاج وصياغة عقد اجتماعي جامع، قائم على العدالة والمساواة والحق، والعلاقة التكاملية الطيبة بين الحاكم والمحكوم؛ فكان عند الأول “فلتة وقى الله المسلمين شرها”، وكان عند الثاني “حلبا كان له شطره”، وكان عند الثالث محاباة وأثرة وظلما وجورا، لينتج عن ذلك الانحراف المتصاعد، الانقلاب الكامل والانسلاخ التام، ممثلا في صورة “الملك العضوض”، الذي أرساه بنو أمية، بما يمثلونه من عقيدة العداء المطلق للإسلام والمسلمين، وما جسدته ممارساتهم وسلوكياتهم وسياساتهم العدائية، ضد حملة المشروع الإلهي العظيم، منذ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والإمام علي عليه السلام، والحسن والحسين عليهما السلام، ومن تلاهم في سلسلة الصراع الحتمي، المتصلة إلى يومنا هذا.