السيد القائد يحذر من أخطر أدوار الهدم الداخلي ويعيد تعريف معركة الأمة بين مشروع المقاومة ومحور التطبيع
أفق نيوز| طارق الحمامي
جاء خطاب السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، حفظه الله، ليقدم قراءة سياسية واستراتيجية شاملة لمسار الصراع في المنطقة، واضعًا القضية الفلسطينية في قلب المواجهة، ومعتبرًا أن الخطر الذي يواجه الأمة لم يعد مقتصرًا على العدوان الإسرائيلي المباشر، بل يمتد إلى ما وصفه بالدور الذي تؤديه بعض الأنظمة العربية والإسلامية في دعم المشاريع الأمريكية والإسرائيلية وإضعاف أي تحرك جماعي لنصرة فلسطين، ويحمل الخطاب أبعادًا تتجاوز التعليق على الأحداث اليومية، إذ يرسم تصورًا متكاملًا لطبيعة الصراع، ويحدد معالم الاصطفافات السياسية والإعلامية والعسكرية، ويربط بين ما يجري في فلسطين واليمن ولبنان وسائر المنطقة باعتباره جزءًا من مشروع واحد يستهدف الأمة بأكملها.
نقل مركز الخطر من “العدو الخارجي” إلى “الدور الداخلي”
من أبرز الرسائل التي حملها الخطاب أن التحدي الأكبر الذي تواجهه الأمة لا يتمثل فقط في العدوان الإسرائيلي، وإنما في وجود أطراف داخل العالمين العربي والإسلامي تؤدي أدوارًا سياسية وإعلامية وأمنية ومالية تخدم المشروع الأمريكي والإسرائيلي، ويعني ذلك أن الخطاب يعيد تعريف الأزمة باعتبارها أزمة “تفكك داخلي”، يرى أنها مكّنت الاحتلال من تحقيق كثير من أهدافه، في ظل غياب موقف عربي وإسلامي موحد، ويؤكد هذا الطرح أن الاحتلال لا يستطيع الاستمرار في جرائمه بنفس المستوى لولا وجود بيئة سياسية وإقليمية توفر له الغطاء أو تمنع تشكل موقف جماعي ضاغط عليه.
السعودية باعتبارها محورًا رئيسيًا في المعادلة الإقليمية
خصص الخطاب مساحة واسعة للحديث عن الدور السعودي، مقدمًا قراءة تعتبر أن المملكة لم تقتصر على المشاركة في الحرب على اليمن، وإنما أصبحت طرفًا فاعلًا في تعطيل أي تحرك عربي أو إسلامي لنصرة فلسطين، ويربط الخطاب بين العدوان على اليمن، والموقف من القضية الفلسطينية، والسياسات الإقليمية، والتحالف مع الولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي ليقدمها باعتبارها حلقات في مشروع سياسي واحد، ومن خلال هذا الربط، يحاول الخطاب بناء سردية سياسية تعتبر أن ما تعرض له اليمن خلال السنوات الماضية، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني اليوم، ينطلق من منطلقات مشتركة وأهداف متقاربة.
الإعلام باعتباره سلاحًا في المعركة
من أبرز المحاور التي ركز عليها الخطاب اعتبار الإعلام جزءًا أساسيًا من الصراع، فالخطاب لا ينظر إلى الإعلام باعتباره ناقلًا للأحداث فقط، وإنما كأداة تؤثر في تشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام، ولذلك كشف السيد القائد ما يقوم به الإعلام السعودي بأنه يقوم بأدوار تخدم الرواية الإسرائيلية، من خلال تشويه صورة المقاومة، وتبرير الجرائم الإسرائيلية، والتحريض ضد الشعب الفلسطيني، وتصنيف فصائل المقاومة بالإرهاب، وهذا يعكس إدراكًا واضحًا لأهمية الحرب الإعلامية باعتبارها ميدانًا لا يقل تأثيرًا عن الميدان العسكري.
تثبيت القضية الفلسطينية كمعيار للانتماء للأمة
يحاول الخطاب ترسيخ معادلة واضحة مفادها أن الموقف من فلسطين أصبح معيارًا لقياس صدق الانتماء الإسلامي والعربي، فالقضية لم تعد قضية سياسية فحسب، بل أصبحت قضية دينية وأخلاقية وإنسانية، وبالتالي فإن التقاعس عن نصرتها لا يمثل مجرد اختلاف في السياسات، وإنما إخلالًا بالمسؤولية الشرعية والأخلاقية، ومن هنا جاءت الدعوة إلى تحرك الأمة باعتبار ذلك واجبًا لا خيارًا.
نزع الشرعية عن الرهانات السياسية التقليدية
يحمل الخطاب نقدًا شديدًا لمسار الاتفاقيات والضمانات الدولية، ويستند في ذلك إلى ما وصفه باستمرار الاحتلال في، قتل المدنيين، واحتلال الأراضي، ومنع دخول المساعدات، والتهجير القسري، وانتهاك الاتفاقيات، وبذلك يخلص الخطاب إلى أن الاحتلال لا يلتزم بأي تعهدات، وأن التعويل على الضغوط الدولية أو المفاوضات لم يعد مجديًا في ظل استمرار الانتهاكات.
إبراز حجم الكارثة الإنسانية في غزة
خصص الخطاب مساحة كبيرة لاستعراض ما وصفه بالواقع الإنساني الكارثي في قطاع غزة.
وتناول استمرار القتل، والحصار والتجويع، وتدمير البنية التحتية، ومنع العلاج، والتضييق على إدخال المساعدات، واستمرار التهجير، ويهدف هذا المحور إلى إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي الشعبي، ومنع تراجع الاهتمام بها مع تعدد الأزمات الإقليمية.
توسيع دائرة الصراع إلى المسجد الأقصى والضفة الغربية
لم يحصر الخطاب الحديث في غزة، بل ربطها بما يجري في الضفة الغربية، والمسجد الأقصى،
والمسجد الإبراهيمي، وملف الأسرى، والاستيطان، وبذلك يقدم صورة متكاملة للصراع، باعتباره مشروعًا يستهدف الأرض والإنسان والمقدسات في آن واحد.
الإشادة بمحور الإسناد
في المقابل، قدم الخطاب إشادة بالأطراف التي وصفها بأنها تؤدي دورًا داعمًا للمقاومة، وعلى رأسها حزب الله وإيران، معتبرًا أن مواقفهما تمثل نموذجًا للمساندة الفاعلة في مواجهة إسرائيل، في مقابل ما وصفه بمواقف التخاذل أو العرقلة من أطراف أخرى.
البعد التعبوي للخطاب
لا يقتصر الخطاب على التحليل السياسي، بل يحمل بعدًا تعبويًا واضحًا، ويتجلى ذلك من خلال التأكيد على المسؤولية الجماعية، والدعوة إلى عدم الاكتفاء بالإدانة، وربط النصرة بالواجب الديني، وتحميل الأمة مسؤولية ما يجري في فلسطين، والتحذير من آثار الصمت والتخاذل، وهو ما يجعل الخطاب يتجاوز توصيف الأحداث إلى محاولة تحفيز الرأي العام على تبني موقف أكثر فاعلية تجاه القضية الفلسطينية.
الرسائل الاستراتيجية للخطاب
يمكن تلخيص أبرز الرسائل التي حملها الخطاب في أن الصراع مع العدو الإسرائيلي هو صراع وجودي طويل الأمد، وأن الخطر الداخلي يمثل أحد أبرز عوامل إضعاف الأمة، وفلسطين تبقى القضية المركزية للأمة الإسلامية، والحرب الإعلامية لا تقل خطورة عن المواجهة العسكرية،
وجرائم العدو الإسرائيلي مستمرة رغم الاتفاقات والضمانات الدولية، واستمرار العدوان يعكس، غياب موقف عربي وإسلامي موحد وفاعل، وأن المسؤولية تجاه فلسطين تُقدَّم باعتبارها مسؤولية دينية وإنسانية وأخلاقية لا يجوز التخلي عنها.
ختاما ..
يعكس الخطاب رؤية سياسية متكاملة تفسر تطورات المنطقة من خلال ترابط الملفات اليمنية والفلسطينية واللبنانية والإقليمية، ويؤكد أن القضية الفلسطينية تظل محور الصراع الأساسي، مع التركيز على نقد أدوار بعض الأنظمة العربية والإسلامية، وإبراز البعد الإعلامي والسياسي والإنساني للمواجهة، والدعوة إلى موقف أكثر فاعلية في دعم الشعب الفلسطيني ومقاومته، وفق الرؤية التي عرضها الخطاب.