أفق نيوز
الخبر بلا حدود

قراءة في تعليقاتكم: توزيع الأدوار في المحور، ومآلات الاستنزاف من الجنوب إلى الخليج

47

أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة 

أهلاً بكم وبالمتابعين الكرام. رداً على الأسئلة التي طرحت في الفايسبوك والتيلغرام والتي تلامس جوهر المعركة؛ الأول يرتبط بالتقدير العسكري والجيوسياسي لحركة الميدان، والثاني يفيض بألم إنساني حقيقي نعيشه كل لحظة مع أهلنا الصامدين في الجنوب اللبناني.

أولاً: هل يتكرر “7 أكتوبر” بنكهة سعودية؟
الحديث عن تكرار سيناريو “7 أكتوبر” في العمق السعودي يخلط بين أسلوبين مختلفين تماماً في إدارة الصراع؛ فالواقع بين اليمن والسعودية محكوم بحسابات جغرافية وعسكرية مغايرة لقطاع غزة:

طبيعة الجغرافيا والمسرح العملياتي:
في غزة، كان السياق محصوراً في شريط ضيق محاصر بجدار وسياج أمني يفصله كيلومترات معدودة عن مستوطنات غلاف غزة. في المقابل، تمتد الحدود اليمنية–السعودية على طول يزيد عن 1400 كيلومتر من التضاريس الجبلية الوعرة والصحاري المفتوحة، مما يجعل أي عملية اقتحام بري واسع النطاق بهدف “السيطرة والاستقرار” في مدن سعودية كبرى مسألة غير واقعية ومكلفة عسكرياً لـ “أنصار الله”.

الهدف الاستراتيجي لصنعاء:
القوات المسلحة اليمنية لا تسعى لاحتلال مدن سعودية، بل تعتمد استراتيجية الخنق الاقتصادي غير المتماثل. معارك تعز والساحل الغربي وسقوط المخا هدفه الحقيقي ليس التوجه شمالاً نحو نجران، بل إحكام السيطرة على مضيق باب المندب؛ فالسيطرة على هذا الممر تعني عزل الموانئ السعودية على البحر الأحمر ومحاصرة تجارة النفط العالمية، وهي كلفة أشد إيلاماً للرياض من أي توغل بري محدود.

تكتيك الغارات الحدودية مقابل “الاقتحام الاستراتيجي”:
شهدت سنوات الحرب السابقة عمليات إغارة يمنية ناجحة في نجران وجيزان وعسير (إسقاط مواقع، أسر ألوية، كما حدث في عملية “نصر من الله” عام 2019)، لكنها كانت دائماً عمليات تكتيكية خاطفة لخلخلة القوات وإجبار الخصم على التراجع، وليست لاحتلال دائم.

الخلاصة: التخوف السعودي ليس من “طوفان بري” يجتاح المدن، بل من شلل استراتيجي واقتصادي شامل؛ فاستهداف مصافي أرامكو ومحطات الكهرباء بالباليستي والمسيّرات، إلى جانب قطع شريان باب المندب، يكفي لجعل كلفة الحرب على الرياض مستحيلة التحمل دون الحاجة لتحريك كتيبة مشاة واحدة عبر الحدود.

ثانياً: إلى الأخت الكريمة من لبنان.. بين وجع الميدان وواقع الجبهات
أفهم تماماً هذا الشعور بالحرقة والإنهاك؛ فالإنسان حين يرى أطفاله وأهله وأرضه تحت أطنان من الركام والغارات الوحشية اليومية، وحين يُشيع الشهداء في كفررمان والنبطية والمنصوري، من الطبيعي جداً أن يشعر بأنه يقف وحيداً، وأن العالم بأسره يتفرج على دمه. تشبيهك بحالة “الإمام الحسين (ع)” يلامس الجرح النازف في الوجدان الجنوبي.
ولكن، من موقع التحليل البارد والمصارحة العسكرية، دعينا ننظر إلى الصورة الكاملة بعين الواقع لا بعين الدعاية:

لبنان ليس “الحلقة الأضعف”، بل هو رأس الحربة:
أنتم لستم الحلقة الأضعف، بل الجبهة الملاصقة مباشرة لعدو تاريخي موتور يملك تفوقاً جوياً تدميرياً مطلقاً. لبنان يدفع دائماً ضريبة الجغرافيا والمواجهة المباشرة “صفر مسافة”، وهذا ليس ضعفاً بل هو قدر خط الدفاع الأول. لو كانت المقاومة ضعيفة، لما احتاج الاحتلال لثلاثة أشهر من الأرض المحروقة ومئات الغارات ليصل إلى بضعة مسارات في تلة واحدة (علي الطاهر).

حقيقة “التضحية بالصواريخ” من الساحات الأخرى:
القول بأن إيران واليمن “لم يضحيا بصاروخ كرمى للبنان” مجحف بحق قراءة الميدان الحالي:

إيران: تخوض اليوم حرباً مباشرة ضد الولايات المتحدة؛ أساطيلها النفطية تُقصف في هرمز وجاسك، وشهدت مجازر مدنية مروعة (كمجزرة حفل زفاف سيريك)، وتتعرض لحصار بحري ومالي خانق. الصواريخ الباليستية والانشطارية التي دكت قواعد واشنطن في الأردن (موفق السلطي وتيتين) والبحرين، واستهداف الحاملات والمدمرات الأمريكية، هدفها الأول والأخير منع واشنطن من إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل لشن حرب إبادة شاملة على لبنان. إيران لا تحارب دفاعاً عن أرضها فقط، بل لمنع كسر العمود الفقري للمقاومة في لبنان.

اليمن: يتلقى غارات أمريكية وسعودية يومياً، ورغم الحصار والفقر، عطل الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وضرب البنية النفطية في عمق السعودية بصواريخ باليستية ومسيّرات كرمى لغزة ولبنان، وهو اليوم يقاتل في الساحل الغربي لانتزاع أوراق ضغط كبرى تخفف العبء عن الجنوب.

طبيعة التحالفات العسكرية:
في العلوم العسكرية، “وحدة الساحات” لا تعني أن تأتي الجيوش لتحارب مكانك فوق أرضك، بل أن تُوزع النيران لتشتيت العدو واستنزاف موارده:

– جبهة لبنان مهمتها تثبيت العدو واستنزاف قوات نخبه ومنعه من تحقيق أهدافه الأمنية.
– جبهة اليمن مهمتها قطع شرايين التجارة والطاقة وإرباك الحلفاء الإقليميين.
– إيران مهمتها ردع التدخل الأمريكي المباشر واستهداف القواعد الحيوية وكسر الحصار.

كلمة أخيرة من القلب:
الشعور بالخذلان هو الثغرة النفسية التي يحاول العدو الدخول منها عبر ما أسلفنا عنه بـ “حرب الوعي”، لإشعار الحاضنة الشعبية بأن تضحياتها رخيصة وأن حلفاءها تخلوا عنها. إن دماء الشهداء في الجنوب ليست منسية ولا متروكة؛ بل هي المحور الذي تدور حوله كل معارك المنطقة اليوم. أنتم تدفعون الثمن الأغلى نعم، ولكنكم لستم بلا ناصر؛ المعركة الكبرى تُدار بتكامل مؤلم، ولولا صمود هذه الأرض لكانت خرائط الشرق الأوسط كُتبت بالكامل بالحبر الإسرائيلي.