شروط طهران تفخخ نيويورك: اليمن ورقة المقايضة الكبرى، وترمب يساوم الخليج على “اليوم التالي”
35
Share
أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة
في مساء اليوم السابع والتسعين لسقوط مذكرة التفاهم (الأربعاء 23 أيلول 2026 – اليوم 206 للحرب)، تحولت كواليس الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى ساحة لمعركة تفاوضية أشرس من تلك التي تدور في مياه الخليج. ففي الوقت الذي هبطت فيه طائرة حكومية إيرانية (IRAN02) في بالتيمور، فجّر الحرس الثوري الإيراني عبر المتحدث باسمه، حسين محبي، قنبلة سياسية قلبت الطاولة على الإدارة الأمريكية: طهران تطالب ليس فقط بالإفراج الفوري عن كامل أصولها الـ 24 مليار دولار، بل تضع “رفع الحصار عن اليمن” كشرط أساسي في أي صفقة لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز.
هذا الموقف الإيراني، الذي ربط مسار التفاوض الأمريكي-الإيراني المباشر بمعادلة اليمن المعقدة، وضع واشنطن ودول الخليج في مأزق مركب، وترك ترمب يبحث عن مخرج خلال اجتماعه مع قادة الخليج في نيويورك. وفي غضون ذلك، تستمر الرسائل النارية من خلال إسقاط مسيّرة سعودية فوق تعز، واستهداف سفينة شحن في مضيق هرمز، مما يؤكد أن الدبلوماسية لا تزال أسيرة قوة الردع على الأرض.
أولاً: معضلة اليمن في التفاوض الإيراني – الأمريكي
اليمن.. من ورقة دعم إلى شرط أساسي: تصريح المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني (حسين محبي) لفرانس برس يُعد تحولاً جذرياً في مسار التفاوض. طهران لم تعد تكتفي برفع الحصار عن موانئها لفتح هرمز، بل أدخلت “اليمن” كملف مقايضة مباشر مع واشنطن، مطالبة بفك الحصار عنه ضمن أي صفقة محتملة.
التناقض الإيراني المربك لواشنطن والرياض: هذا الشرط يضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة معقدة؛ فإيران تنفي سيطرتها المباشرة على الحوثيين، لكنها في الوقت ذاته تفاوض باسمهم وتطالب بـ “ثمن” سعودي وأمريكي لفك الحصار عن اليمن. هذا التناقض يعني أن أي اتفاق أمريكي-إيراني مستقبلي حول هرمز سيكون مرهوناً بتنازلات سعودية في الملف اليمني، وهو ما ترفضه الرياض بشدة، إذ لا تريد تسليم مفاتيح باب المندب لطهران عبر صفقة ترعاها واشنطن.
“كفى مفاوضات، تحركوا”: أكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، محسن رضائي، أن طهران لن تعود لـ”دبلوماسية إسلام آباد السابقة” القائمة على الوعود. وأضاف في مقابلة تلفزيونية: “لن يُفتح المضيق دون تنفيذ الشروط السبعة”، متوعداً واشنطن بأسلحة استراتيجية جديدة لم تُكشف بعد، ومشيراً إلى قدرة إيران على هندسة عكسية لغواصة أمريكية قادرة على الغوص لعمق 6000 متر، في استعراض قوة يؤكد أن طهران تفاوض من موقع المقتدر.
ثانياً: واشنطن والخليج.. اجتماع نيويورك ومخاوف “اليوم التالي”
خيارات ترمب المعقدة: خلال اجتماعه بقادة دول الخليج في نيويورك، طرح ترمب خياراته لإنهاء الحرب: الاستمرار في الضغط (الذي أثبت فشله)، توجيه ضربات أوسع (وهو ما يحذر منه البنتاغون لاستنزاف المخزونات)، أو فتح مسار تفاوضي.
الهواجس الخليجية (كيف نردع ونتعايش؟): الموقف الخليجي (وخصوصاً الإماراتي) يتحول من محاولة “ردع” إيران بالقوة الأمريكية إلى البحث عن صيغة لـ”التعايش” الإقليمي بعيداً عن الهيمنة الإيرانية المنفردة. دول الخليج أبلغت ترمب بوضوح: لا نريد صفقة أمريكية-إيرانية تُسلم مفاتيح هرمز وباب المندب لطهران كـ”هدية” مقابل تسوية أمريكية خالصة.
خنق الطيران الإيراني.. هل ينجح؟: دخلت التهديدات الأمريكية بحظر الطيران الإيراني عالمياً حيز التنفيذ، مع انصياع خطوط أذربيجان وإعلان بغداد تعليق الرحلات. ومع ذلك، هبطت طائرة إيرانية في الصين وتستمر الرحلات من مطار النجف، مما يشير إلى أن طهران تمتلك قنوات خلفية لكسر هذا الحصار عبر حلفائها، بينما هدد رضائي بإجراءات مضادة ضد مطارات الدول المجاورة المتواطئة مع هذا القرار.
ثالثاً: ميدان مشتعل من هرمز إلى تعز (OSINT)
إسقاط (Wing Loong II) في تعز: في ضربة جديدة لسلاح الجو السعودي، أعلنت القوات المسلحة اليمنية إسقاط طائرة مسيّرة متطورة (صينية الصنع) تابعة للتحالف في أجواء المخا. هذا الإسقاط، بعد إسقاط الفخر الأمريكي (F-15)، يُظهر قدرة اليمن على تحييد التفوق الجوي للتحالف فوق نقاط التماس الاستراتيجية، تزامناً مع تقدم الحوثيين نحو مرتفعات “كهبوب”.
اشتعال سفينة في هرمز: أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية باستهداف سفينة شحن بمقذوف مجهول في هرمز، وإجلاء طاقمها بعد اشتعالها. هذه العملية تؤكد سيطرة إيران النارية المطلقة، وتُحيل ادعاءات ترمب بـ”تطهير المضيق” إلى مجرد خطابات للاستهلاك الانتخابي.
أزمة (Coronet East) مستمرة: واصلت أسراب الانتشار الجوي الأمريكي إظهار أعطالها اللوجستية، مع محاولات يائسة لإعادة مقاتلات (F-15E) من السرب الرابع إلى بريطانيا، ما يعكس الضغط الهائل على البنية التحتية الجوية الأمريكية، في وقت اضطرت فيه لندن لدعم مقاتلات “تايفون” السعودية بطائرة إمداد وقود وحيدة لإبقاء المظلة الدفاعية فوق أجوائها.
رابعاً: الجبهة اللبنانية وذعر تل أبيب
تحذيرات استباقية ومناورات دبلوماسية: كشفت القناة 12 العبرية عن نقل حزب الله لأنظمة أسلحة دقيقة لقرى جنوب الليطاني ومنطقتي الريحان وإقليم التفاح، في استعداد لأي مواجهة مرتقبة تكون بهذا الاتجاه. وفي ظل تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشن حرب تهجير في حال اختطاف جندي (تزامناً مع أنباء إصابة نجل السفير الإسرائيلي بأمريكا في عملية دهس)، يظهر جلياً حجم القلق الإسرائيلي.
رسالة بزشكيان والعقيدة الدفاعية: من منبر الأمم المتحدة، أكد الرئيس الإيراني أن قدرات بلاده الدفاعية مُسخرة لمنع الهيمنة والتصدي للمعتدين، داعياً للتعاون الإقليمي ومحذراً من الوجود الأجنبي. هذه الرسالة، بالإضافة إلى تصريحات عراقجي بعد لقائه المبعوث الأمريكي، تُشير إلى أن إيران تُفاوض في نيويورك بحزم، ولن تتخلى عن أوراق الردع الإقليمي (بما فيها لبنان واليمن) دون ثمن يوازي حجم تضحيات المحور.
الخلاصة والمآلات القادمة
إن تصريحات الحرس الثوري التي تربط بشكل عضوي بين إغلاق مضيق هرمز ورفع الحصار عن اليمن تضع الإدارة الأمريكية في مأزق استراتيجي. ترمب، الذي يبحث عن إنجاز انتخابي عبر صفقة مع طهران، يجد نفسه أمام شروط إيرانية تتطلب تنازلات عميقة من أقرب حلفائه (السعودية).
المآل القادم:
الأيام القادمة ستحدد مصير “مفاجأة أكتوبر”. إذا أصرّت واشنطن على فصل مسار هرمز عن أزمة باب المندب، فإن الرد الإيراني-اليمني سيكون بمزيد من إحكام الحصار واستنزاف قدرات التحالف، مع احتمالية توجيه ضربات لتعطيل الملاحة بشكل أوسع، مما سيُغرق الأسواق الغربية في أزمة طاقة كارثية. وإذا خضعت واشنطن لشروط طهران، فإن ذلك سيُمثل تغييراً زلزالياً في هندسة القوة في الشرق الأوسط، يكرّس المحور كصاحب الكلمة الفصل في أمن الإقليم، وهو ما تسعى دول الخليج جاهدة لتجنبه.