أفق نيوز
الخبر بلا حدود

بين قاعات بغداد وكواليس الصراع: رسالة شجاعة لإنهاء العبث الإقليمي

58

أفق نيوز| عدنان صگر الخليفة (رئيس اتحاد القبائل العراقية)

​تلتئم في العاصمة بغداد أعمال اجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية وسط مشهد إقليمي ودولي بالغ التعقيد، تتقاطع فيه أصوات الدبلوماسية الرسمية مع دوي المواجهات الميدانية والضغوط الاقتصادية والإنسانية المستمرة. وأمام هذا الحراك الدبلوماسي الواسع، تأتي هذه الورقة التحليليّة والفكرية لتضع المؤتمرين والمجتمعين أمام مسؤوليتهم التاريخية والأخلاقية، مطروحةً رؤية وطنية خالصة لا تتبنى مواقف أطراف بعينها، بل تنطلق من ملامسة الحقائق العارية على الأرض، عارضةً خارطة طريق واقعية لكل من يبتغي حقاً إنهاء هذا الصراع الدامي والعبثي من جذوره.
​إن القراءة الموضوعية لأزمات المنطقة – وفي مقدمتها الملف اليمني وما يشهده من تصعيد وحصار – تؤكد استحالة الوصول إلى سلام حقيقي أو مستدام ما لم يتم كسر حلقة الوهم والهروب إلى الأمام. وهنا تحديداً تكمن الجوهرية الصلبة في وجوب العودة الشجاعة إلى أرض الواقع المتنازع عليها وعلى شرعيتها. إن البحث عن حلول حقيقية يقتضي حتمًا إخراج “مفهوم الشرعية” من دائرة الأغلفة الشكلية والمظلات الخارجية التي تُدار من خارج الحدود وتفتقر إلى أي وجود حقيقي أو سيطرة فعلية على الأرض أو بين القوى المتناحرة، وربطها بالتراب الوطني وحاكمية الميدان. فمن لا يملك شبراً واحداً تحت سماء وطنه ولا جيشاً يدافع عن مقدراته من الداخل، لا يمكن له أن يُنتج استقراراً، بل إن الإصرار على دعم هذه الأشكال الصورية ليس سوى أداة لإدامة الحصار، واستنزاف المجتمعات، وإطالة أمد الصراع العبثي الذي تكتوي بنيرانه الشعوب وحدها.
​وعليه، فإن من يُريد حقاً إيقاف نزيف الدم وتفكيك أسباب النزاع، عليه أن يعترف صراحةً بأن حق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض كافة أشكال التدخلات الخارجية والوصاية الإقليمية هو الأساس الذي لا غنى عنه. كما أن استعراض المراسلات والمواقف – كرسائل صنعاء الموجهة للمؤتمرين والتي تفند كلفة الحصار المفروض منذ عام 2015 وتبرر مسارات الدفاع والردع في مواجهة محاولات فرض معادلات “اللا سلم واللا حرب” – يثبت أن تجاهل أصوات الداخل وحقائق الميدان لن يقود إلا إلى مزيد من تعقيد المشهد وعسكرة الممرات المائية الحيوية كالبحر الأحمر وباب المندب.
​إن زيارة رئيس الوزراء العراقي الأخيرة إلى الرياض في توقيت خاطف قبيل هذا المؤتمر، وما دار في كواليسها من تفاهمات غير معلنة حول ضبط إيقاع الساحات وإدارة الوقت تحت أفق عام 2027، تعكس حجم التقاطعات الدولية والإقليمية التي تحاول هندسة الأزمات وفق مقاسات مصالحها. غير أن الرهان على الترتيبات السرية والحلول الترقيعية يظل عاجزاً عن معالجة المرض الحقيقي، ما لم تتجرأ المؤسسات والمؤتمرات الإقليمية على مخاطبة الأسباب الجذرية، ورفض تحويل الأوطان إلى ساحات لتصفية الحسابات أو حماية الحدود عبر استنزاف دماء الآخرين.
​إننا نضع هذه الحقيقة مجردةً أمام المجتمعين في بغداد؛ لعلها تكون البوصلة الصادقة لمن أراد حقاً تبني مسار جاد لنهاية هذا الصراع الدامي وإرساء قواعد العدالة واحترام سيادة الشعوب. أما إن غلبت الحسابات الضيقة وأجندات الوصاية، فالجميع أعلم بما اجتمعوا لأجله، والتاريخ كفيل بتسجيل مواقف الجميع في ميزان الحقيقة والضمير الإنساني.
17 تشرين الاول 2026