المشروع القرآني في اليمن.. من التأسيس إلى ترسيخ الفاعلية في زمن التحديات
أفق نيوز| محسن علي|
لليوم الثاني على التوالي تتواصل أنشطة مهرجان شهيد القرآن الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي بالعاصمة صنعاء والذي تنظمة مؤسسة الشهيد زيد علي مصلح لثلاثة أيام، ضمن فعاليات إحياء الذكرى السنوية لاستشهاده، وسط حضور رسمي وشعبي كبيرين.
وفي خضم التحولات العميقة التي يشهدها العالم الإسلامي، يبرز المشروع القرآني في اليمن كنموذج فريد ومثير للتأمل في كيفية تحويل النص القرآني من مجرد كتاب يتلى إلى منهج حياة شامل ودليل عملي لمواجهة التحديات الراهنة.
هذه الورقة العلمية البحثية، التي شارك بها د حمود عبدالله الأهنومي في اليوم الثاني لمهرجان شهيد القرآن الذي يختتم أنشطته يوم غد، تقدم استعراضًا معمقًا لمسيرة هذا المشروع، مستعرضة إنجازاته المتعددة في مجالات السيادة، الوعي، التربية، الثقافة، الاجتماع، الاقتصاد، وحتى المجال العسكري، وذلك في سياق يمني وإقليمي ودولي معقد.
إنها دعوة للتفكير في قدرة الأمة على استعادة ذاتها وبناء مشروعها الحضاري المستقل، متجاوزة حالة التبعية والشتات التي سادت لعقود.
تشخيص الواقع وبداية المشروع
تستهل الورقة البحثية بتحليل دقيق للواقع الذي سبق انطلاق المشروع القرآني في اليمن، واصفة إياه بحالة من الأزمات البنيوية العميقة التي شملت الدين والسياسة والثقافة والمجتمع، كان اليمن، كغيره من البلدان الإسلامية، يعيش حالة من الارتهان والتبعية للخارج، مع غياب الوعي بمفهوم السيادة وتآكل معنى الدولة، في هذا السياق المعقد، قدم السيد حسين بدر الدين الحوثي، المؤسس الأول للمشروع، رؤية أساسية مفادها أن “المرحلة لا تحتمل التردد”، وأن الكلمة والعمل يختزلان القيمة في اللحظات المفصلية, حيث كان المشروع بمثابة استجابة لحاجة تاريخية ملحة، تهدف إلى إعادة القرآن إلى موقعه الطبيعي كمنهج حياة، وإعادة تعريف مفاهيم الواجب، الحق، والعدو.
مرحلة التأسيس.. بناء الوعي والمنهجية القرآنية
ركزت المرحلة التأسيسية للمشروع، التي امتدت حتى استشهاد السيد حسين بدر الدين الحوثي، على بناء الإنسان القرآني من خلال ترسيخ معادلة متلازمة قوامها: الوعي، التربية، المنهج، والموقف، فلم يكن المشروع مجرد حركة احتجاجية ظرفية، بل كان يهدف إلى بناء نواة صلبة قادرة على معالجة مشكلات الواقع من وحي القرآن الكريم، وقد أكد السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي أن المشروع القرآني ليس تنظيرًا، بل هو واقع عملي في الميدان، يهدف إلى تغيير الإنسان وبناء موقفه وتحديد العدو.
من أبرز إنجازات هذه المرحلة
دائرة الوعي
قراءة الواقع بالقرآن، والانتقال من التحليلات المجردة إلى التشخيص التقييمي المقترن بالحلول.
دائرة تقديم المنهجية
تأسيس منهجية قرآنية لتحديد الموقف والتشخيص، حيث يقدم القرآن نفسه كمنطلق للوعي والعمل.
دائرة التربية
التركيز على بناء الإنسان، فالتغيير لا يبدأ إلا من الإنسان نفسه، من خلال معرفته بالقرآن، والثقة به، والشعور بالمسؤولية، والاستعداد للتضحية.
دائرة الموقف
كسر حاجز الخوف، ورفض حالة الصمت والاستسلام، وتحديد الموقف من خلال مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية كأدنى درجات الموقف في هذا السياق.
مرحلة ترسيخ الفاعلية.. قيادة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي
بعد استشهاد السيد حسين بدر الدين الحوثي، واجه المشروع تحديات كبيرة، أبرزها الفراغ القيادي ومحاولات تفكيك المشروع، إلا أن قيادته العظيمة عملت على ترسيخ الفاعلية الواسعة للمشروع، وتحويله إلى حالة مجتمعية ومؤسسية ودولية، وتمكنت هذه القيادة الربانية من تجاوز التحديات الداخلية والخارجية، بما في ذلك الحروب والحصار، وتحويل المشروع إلى قوة فاعلة على الأرض.
تجلت إنجازات هذه المرحلة في عدة محاور ابرزها:
السيادة والتحرر
استعادة القرار الوطني والتحرر من الوصاية الخارجية، وهو ما تجلى في مواجهة العدوان والحصار.
بناء الوعي والتربية
استمرار بناء الإنسان القرآني المسؤول والمجاهد، وتغيير المفاهيم المغلوطة التي رسخها الغرب الكافر.
الجانب العسكري والأمني
بناء قوة دفاعية رادعة، وتطوير القدرات العسكرية المحلية، بما في ذلك التصنيع العسكري والطيران المسير، وهو ما أثبت قدرة المشروع على حماية سيادة اليمن.
الجانب الاجتماعي والثقافي
تعزيز التكافل الاجتماعي، ومواجهة الاختلالات القبلية، وبناء مجتمع متماسك على أساس القيم القرآنية.
الرؤية المستقبلية والتحديات
تختتم الورقة البحثية باستشراف للمستقبل، مؤكدة على أن المشروع القرآني في اليمن ليس مجرد حركة احتجاجية، بل هو رؤية حضارية شاملة تسعى لإعادة بناء الأمة على أسس قرآنية، ومع ذلك، تشير الورقة إلى أن هناك تحديات مؤسسية واقتصادية واجتماعية لا تزال قائمة، وتتطلب تعزيز العمل المؤسسي ومكافحة الفساد لضمان استدامة الإنجازات، وإن التوازن بين مؤشرات القوة الداخلية والتحديات
المؤسسية هو مفتاح الانتصار المستقبلي للمشروع.
الخاتمة:
إن المشروع القرآني لحركة أنصار الله في اليمن، كما تعرضه هذه الورقة البحثية، يمثل تجربة فريدة في تاريخ الأمة الإسلامية الحديث، فلقد نجح في تحويل الأزمات إلى فرص، وفي بناء إنسان واعٍ ومسؤول، وفي ترسيخ مفهوم السيادة والتحرر، ورغم التحديات المستمرة، فإن هذا المشروع يقدم نموذجًا ملهمًا لقدرة الأمة على استعادة هويتها وبناء مستقبلها على هدى القرآن الكريم.
يمانيون