الجماهير الإيرانية تسقط رهانات الفوضى
أفق نيوز| عبدالمؤمن محمد جحاف|
لم تكن المدن الإيرانية، وهي تفيضُ بالملايين، مُجَـرّد ساحات تجمع عابر أَو مشاهد احتفالية عاطفية، بل كتبت بجموعها ملحمة حضور سياسي وشعبي كثيف، حمل رسائلَ واضحة لا لبس فيها: إيران محصَّنة بوحدتها، متماسكة بولائها، وعصية على كُـلّ محاولات الاختراق التي راهن عليها الأعداء طويلًا.
في لحظة كهذه، بدت حساباتُ الأعداء مشوَّشة، وقراءتهم للميدان ناقصة، بل بعيدة تمامًا عن حقيقة الداخل الإيراني.
المشهد المهيب الذي رسمته الجماهير، عرّى بلا مواربة المؤامرات التي حيكت في غرف العبث والتخطيط، تلك التي استهدفت اختراق الداخل وزعزعة الاستقرار وصناعة شرخ بين الدولة وشعبها.
غير أن الرد جاء من الشارع مباشرة، حين خرج الشعب الإيراني كالسدّ المنيع، وكالدرع الصلب، وكالميزان الدقيق الذي يفضح الحسابات الخاطئة ويكسرها قبل أن تتحول إلى وقائع.
المعطيات الأمنية وسقوط خلايا “زاهدان”
وفي موازاة هذا الحضور الشعبي اللافت، تكشفت حقائقُ أمنيةٌ خطيرةٌ تؤكّـد حجم التدخل الخارجي ومحاولات العبث المنظم.
فقد أعلن عن إلقاء القبض على عدة خلايا إرهابية تابعة لكيان الاحتلال الإسرائيلي، دخلت إلى البلاد عبر الحدود الشرقية، وكانت موزعة على سبعة مقار في مدينة زاهدان بمحافظة سيستان وبلوشستان.
هذه المعطيات لم تزد المشهد إلا وضوحًا: هناك من يعمل في الظل لصناعة الفوضى، وهناك شعب حاضر في العلن لإسقاطها.
التدخل الصهيوأمريكي، الذي سعى إلى تفجير الداخل الإيراني من خلال أدوات أمنية وخلايا تخريبية، وجد نفسه في مواجهة مشهد معاكس تمامًا.
فبدل الفوضى، خرجت الملايين، وبدل الانقسام، تجلت وحدة لافتة، وبدل التشكيك، برز يقين جماعي بحقيقة واحدة: الداخل الإيراني محصن بجماهيره، وبعقيدته الفكرية والسياسية، وبالتفافه الواضح حول قيادته.
الاستفتاء الشعبي على السيادة
حين تمتلئ المدن بالملايين، لا تعود الساحات مُجَـرّد فضاءات عامة، بل تتحول إلى استفتاء شعبي مباشر على الولاء للقيادة، وعلى الثقة بالنظام الإسلامي، وعلى خيار الاستقلال والسيادة.
تصبح الهُتافات بمثابة توقيع جماهيري واسع على مسار سياسي واضح، مسار لا ينحرف مهما اشتدت الضغوط وتكاثفت المؤامرات.
إن ما جرى في إيران لا يمكن فصله عن سياقه الإقليمي الأوسع؛ فهذا الخروج الجماهيري لا يقتصر أثره على الداخل فحسب، بل يرسم بوصلة جديدة للمنطقة، بوصلة تصنعها الشعوب حين تلتف حول مشروعها، وتغلق أبواب الاختراق، وتفرض احترامها على الخصوم قبل الحلفاء.
إنها رسالة تقول بوضوح إن المعادلات لا تُصنع فقط في غرف السياسة المغلقة، بل تُحسم أَيْـضًا – وربما أولًا – في الشارع حين يكون واعيًا، موحدًا، وحاضرًا بثقله الكامل.
خاتمة: هكذا، لم تكن إيران في هذا المشهد تدافع عن استقرارها فحسب، بل كانت تقدم نموذجًا لدولة تعرف أن حصانتها الحقيقية تبدأ من شعبها، وأن الجماهير حين تتحول إلى وعي منظم، تصبح أقوى من كُـلّ المؤامرات وأصلب من كُـلّ محاولات التفكيك.