أفق نيوز
الخبر بلا حدود

الإفطار بالتمر والماء في رمضان: وعي صحي يستلهم الهدي النبوي

45

أفق نيوز|

 يُعدُّ الإفطار بالتمر والماء في شهر رمضان ممارسةً متجذّرة في السُّنة النبوية؛ إذ ثبت أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يبدأ فطره بالتمر، فإن لم يجد فبالماء، غير أن هذه السُّنة لا تقتصر على بعدها التعبدي فحسب، وإنما تتجلّى فيها أبعاد صحية عميقة تتوافق بصورة لافتة مع ما توصّلت إليه الأبحاث الطبية الحديثة، وهو ما يجعلها نموذجًا عمليًّا للتكامل بين التوجيه الديني والوعي الصحي.

فعندما يصوم الإنسان ما يقارب أربع عشرة ساعة أو أكثر، يدخل الجسم في حالة فسيولوجية خاصة؛ إذ ينخفض مستوى الجلوكوز في الدم تدريجيًّا، ويبدأ الجسم في الاعتماد على مخازن الجليكوجين في الكبد، ثم يتحوّل جزئيًّا إلى استخدام الدهون كمصدر للطاقة، وفي هذه الحالة، يصبح الجهاز الهضمي في وضعٍ أقرب إلى السكون النسبي، كما تقلّ إفرازات المعدة مقارنة بأوقات الطعام المعتادة، ومن هنا، فإن إدخال كميات كبيرة من الطعام الدسم أو السكريات المصنعة بشكل مفاجئ قد يُحدث اضطرابًا حادًا في التوازن الداخلي للجسم.

وعلى الجانب الآخر، فإن البدء بالتمر يوفّر سكريات طبيعية بسيطة مثل الجلوكوز والفركتوز، وهي سكريات سريعة الامتصاص نسبيًّا، مما يساهم في رفع مستوى السكر في الدم بشكل تدريجي ومعتدل، لا سيَّما إذا تم تناول عدد محدود من التمرات، وبهذا الأسلوب، يتم تعويض النقص الطاقي دون إحداث قفزة حادة في سكر الدم، وهو أمر في غاية الأهمية خاصة لمرضى مقاومة الإنسولين أو من لديهم استعداد لاضطرابات سكر الدم.

وقد أشارت تقارير تغذوية صادرة عن مؤسسات بحثية إلى أن اختيار مصادر طبيعية للكربوهيدرات في بداية الوجبة يساعد على تنظيم الشهية وتقليل الإفراط اللاحق في تناول الطعام.

ثم إن التمر لا يمدّ الجسم بالطاقة فحسب، وإنما يزوّده كذلك بعناصر معدنية مهمة مثل البوتاسيوم والمغنيسيوم، وهما عنصران أساسيان للحفاظ على انتظام ضربات القلب ووظيفة العضلات، خصوصًا بعد ساعات من فقدان السوائل، وهنا يتكامل دور الماء؛ إذ إن شربه عند الإفطار يعيد ترطيب الخلايا تدريجيًّا، ويحسّن لزوجة الدم، ويدعم عمل الكليتين في التخلص من الفضلات الأيضية التي تراكمت خلال ساعات الصيام، كما أن الماء، بخلاف المشروبات المحلاة، لا يسبب ارتفاعًا سريعًا في سكر الدم ولا يزيد العبء على البنكرياس.

ومن الناحية الهضمية، فإن البدء بكمية قليلة من التمر مع الماء يهيئ المعدة لاستقبال الطعام، حيث يُحفّز إفراز العصارات الهضمية بشكل تدريجي، مما يقلّل من احتمالية حدوث عسر الهضم أو الانتفاخ.

أما في حال الإفطار مباشرة على وجبات غنية بالدهون المشبعة والمقليات، فإن ذلك قد يؤدي إلى بطء إفراغ المعدة، وإلى زيادة احتمالية الشعور بالحموضة أو الارتجاع المعدي المريئي، خاصة لدى من يعانون أصلًا من اضطرابات هضمية.

وقد حذّرت تقارير صحية صادرة عن جهات دولية مثل منظمة الصحة العالمية من الإفراط في استهلاك السكريات المضافة والمشروبات المحلاة، لما لها من دور في زيادة مخاطر السمنة وأمراض القلب واضطرابات التمثيل الغذائي، وعندما يُستبدل الماء بالمشروبات الغازية أو العصائر الصناعية عند الإفطار، فإن الجسم يتعرّض لحمولة سكرية مرتفعة خلال فترة زمنية قصيرة؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع سريع في الإنسولين يعقبه هبوط مفاجئ في سكر الدم، وهو ما يفسّر شعور البعض بالخمول الشديد بعد الإفطار مباشرة.

ومن منظور توعوي، فإن الالتزام بالإفطار على التمر والماء يمثل خطوة أولى نحو نمط غذائي متوازن في رمضان؛ إذ يساعد على كسر حدة الجوع بطريقة آمنة، ويمنح الشخص فرصة للانتظار قليلًا قبل تناول الوجبة الرئيسية، وهو ما ينعكس إيجابًا على كمية الطعام المستهلكة، كما أن هذا الأسلوب يتماشى مع مبادئ التغذية الحديثة التي تنادي بتقسيم الوجبة وتجنب التحميل المفاجئ على الجهاز الهضمي.

وعليه، فإن الإفطار بالتمر والماء لا ينبغي أن يُنظر إليه كعادة تقليدية فحسب، لكن كخيار صحي واعٍ، يحقق مصلحة البدن كما يحقق أجر الاقتداء بالسُّنة؛ فبينما يسعى كثيرون اليوم إلى اتباع أنظمة الصيام المتقطع لما لها من فوائد أيضية، نجد أن الصيام الإسلامي قد سبق إلى ترسيخ قواعد صحية دقيقة، من بينها كيفية كسر الصيام بطريقة تحفظ توازن الجسم وتحميه من الاضطرابات المفاجئة.

ومن هنا تنبع أهمية نشر الوعي الصحي في رمضان، بحيث يكون