في محاضرته الرمضانية التاسعة، يقفُ السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي “رعاه الله” عند مفصلٍ دقيق في قصة نبي الله موسى عليه السلام، عند قوله تعالى: ﴿فَردّدنَاهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أكثرهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

لكن القراءة لم تكن سردًا تاريخيًّا بقدر ما كانت توضيحًا لسننٍ إلهية، وإسقاطًا مباشرًا على واقع أُمَّـة تتأرجح بين الإيمان بوعد الله والانكسار أمام مشهد الطغيان.

ما بين كلام السيد القائد، يبرز معنى “الرعاية” بوصفها تدبيرًا إلهيًّا يتجاوز النجاة المادية إلى حفظ الإيمان ذاته. فأم موسى لم تكن بحاجة فقط إلى عودة طفلها، بل إلى تثبيت قلبها في لحظة ضغط نفسي رهيب.

وهنا تتجلى أخطر الخسارات: ليس فقدان الابن، بل فقدان اليقين.

المحاضرة تعيد ترتيب الأولويات: الإنسان قد يخسر مالًا أَو منصبًا أَو أمانًا مؤقتًا، لكن خسارة الإيمان هي الخسارة التي لا تعوض. لذلك جاء تحقّق الوعد مبكرًا، قبل أن يتآكل اليقين، وقبل أن تتسلل الهزيمة إلى القلب.

إنها رسالة ضمنية لأمةٍ تواجه حربًا نفسية وإعلامية طاغية؛ أن رعاية الله قد تأتي في صورة تثبيتٍ داخلي، لا في صورة تحولاتٍ سياسية فورية.

ينتقل الخطاب من قصة فردية إلى تشخيص جماعي: أكثر الناس – كما تصف الآية – لا يعلمون.

ينظرون إلى موازين القوى بعينٍ مادية خالصة، فيرون الطغاة في ذروة جبروتهم، فيتوهمون استحالة سقوطهم. هكذا كان الحال في زمن فرعون، وهكذا يتكرّر المشهد مع كُـلّ طاغوت.

اليأس ليس حالة نفسية عابرة، بل نتيجة مباشرة لنقص الإيمان وجهل بسنن الله في التاريخ. فالقرآن لا يقدّم القصص للتسلية، بل ليؤسس وعيًا استراتيجيًّا: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ سنة ماضية، تربط بين فعل البشر وتدبير السماء.

يتوقف السيد القائد عند نموذج قرآني آخر: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

الوعد ليس شعارًا تعبويًّا، بل معادلة مشروطة بالفعل. الإيمان به يقينًا، ثم الاستجابة له عمليًّا. هنا يتشكل الفرق بين أُمَّـة تكتفي بالبيانات، وأمةٍ تتحَرّك وفق سنن الله.

فالبيانات “لا تسمن ولا تغني من جوع”؛ لأنها لا تغيّر موازين الواقع ما لم تقترن بخيارات عملية تعكس صدق الإيمان.

في قراءة واقعية مباشرة، يربط السيد القائد في الخطاب بين مسار بعض الأنظمة العربية في علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي، وبين إطالة أمد الصراع وتعظيم كلفته. فزوال الكيان حتمي بوعد الله، لكن مدة الزوال وحجم الأثمان يرتبطان بموقف الأُمَّــة.

كل خطوة تطبيع تُقرأ هنا كتمكين للعدو، وتأجيل للحظة السقوط، وتكبيرٍ لفاتورة الدم والمعاناة. المعادلة واضحة: تقليل المدة أَو إطالتها، تعظيم الثمن أَو تخفيفه، مرهون بتوجّـه الأُمَّــة واختيارها.

كلام السيد لا يتعامل مع العدوّ الإسرائيلي كخصم سياسي عابر، بل ككيان ذي مشروع معلن في السيطرة والهيمنة، وعداء صريح للإسلام ومقدساته.

استمرار الجرائم بحق الشعب الفلسطيني، وسلوكيات الاحتلال التي تتجاوز حدود الإنسانية تُقدَّم كدليل على أن هذا السلوك لن يتغير باتّفاقيات أَو تفاهمات شكلية.

هنا يتبدى البعد الأخطر: أُمَّـة تواجه عدوًا يحمل احتقارا عميقًا لها، بينما جزء منها لا يزال يراهن على صيغ تسوية أثبت الواقع عقمها.

بعد عودة موسى إلى أمه، تبدأ مرحلة الإعداد: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.

نشأة بعزة، في كنف القصر، لكن دون أن يتشرب قيم الاستكبار. لم يكن مترفًا بطرًا، ولم ينفصل عن آلام المستضعفين. كان يرى القهر، ويحمله في وجدانه، ويتحَرّك بدافع الإحسان.

وحين بلغ أشده: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، كان ذلك تتويجًا لمسار إعداد طويل، جمع بين الرعاية الإلهية، والنشأة الواعية، والانحياز الأخلاقي للمستضعفين.

الرسالة الضمنية للأُمَّـة: لا يكفي أن نترقب الوعد، بل يجب أن نُعِدّ أنفسنا لنكون أدوات تحقّقه.

المشكلة – كما بين السيد القائد في المحاضرة – ليست في غياب الوعد، بل في غياب اليقين به.

ليست في نقص النصوص، بل في ضعف الارتباط بها كحقائق عملية.

أمتنا تواجه خطرًا كَبيرًا لأنها تجهل أن وعد الله حق، أَو تؤمن به نظريًّا دون أن تبني عليه مواقفها.

في ضوء ذلك، تتحول قصة موسى من حكاية تاريخية إلى خارطة طريق:

تثبيت الإيمان في زمن الخوف.

وعي سنن الله في زمن الطغيان.

العمل وفق الوعد لا الاكتفاء بترديده.

وبين أُمٍّ ثُبّت قلبها، ونبيٍّ أُعدَّ ليحمل أوجاع المستضعفين، وأمةٍ مدعوةٍ لاستعادة علاقتها بالقرآن.