تمرّ المنطقة العربية بمرحلة شديدة الخطورة، تتقاطع فيها المواجهة العسكرية بين أمريكا وكَيان الاحتلال الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أُخرى، في ظل تصعيد إعلامي وسياسي واضح يسعى إلى جرّ العرب، وخُصُوصًا دولًا محوريةً مثل مصر، إلى قلب هذه المواجهة، رغم أنها في جوهرها لا تخدِمُ المصالح العربية، بل تهدّد الأمن القومي العربي وتضعه في مسار استنزاف طويل.

هذا التصعيد لا يمكن فهمُه إلا كجزء من عملية تهيئة سياسية ونفسية تهدف إلى تحميل العرب كلفة حرب لم يختاروها، ولم تكن يومًا دفاعًا عن قضاياهم المركزية.

فالمستفيد الحقيقي من توسيع رقعة الصراع هو أمريكا التي تسعى لتثبيت هيمنتها، وكَيان الاحتلال الصهيوني الذي يرى في أية حرب إقليمية فرصة لإضعاف محيطه وضمان تفوقه، بينما يُراد للعرب أن يكونوا وقود المعركة لا صُنّاع قرارها.

غير أن الخلل لا يبدأ من اللحظة السياسية الراهنة فقط، بل يمتد إلى الجذر العميق للأزمة، وهو مخالفة وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تلك الوصية التي لم تكن خطابًا وعظيًّا مُجَـرّدا، بل مشروع هداية وقيادة يحفظ للأُمَّـة وحدتها واستقلال قرارها.

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إني تاركٌ فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتابَ الله وعترتي أهلَ بيتي، إنَّ اللطيفَ الخبيرَ نبَّاني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»، وقال كذلك: «علي مع القرآن، والقرآن مع علي».

بهذه الكلمات الحاسمة رسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاعدةً جامعة للهداية الدينية والسياسية معًا، فلا قرآن بلا قيادة صادقة، ولا قيادة شرعية بلا التزام عملي بالقرآن.

وعند الوقوف عند قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «علي مع القرآن، والقرآن مع علي»، تتجلى الحقيقة التي حاول التاريخ الرسمي تجاوزها؛ فـ الإمام علي بن أبي طالب لم يكن مُجَـرّد شخصية تاريخية، بل رأس العترة الطاهرة وضمانة عدم انحراف الأُمَّــة بعد رسول الله.

غير أن ما جرى لاحقًا هو إقصاء هذا المسار وإبعاد الإمام علي عن المقام الذي اختصه به رسول الله، وهو إقصاء لم يكن تفصيلًا سياسيًّا عابرًا، بل منعطفًا مفصليًّا فتح الباب لانفصال الدين عن القيادة، وتحويل الخلافة إلى صراع سلطة، والقرآن إلى نص يُستعمل لا يُحتكم إليه.

ومنذ تلك اللحظة، بدأت الانزلاقات الكبرى التي يستهين بها البعض، لكنها في حقيقتها مهّدت لكل ما نراه اليوم من توظيف الدين لتبرير التبعية، وتسويق الحروب بالوكالة، وإقناع الشعوب بأن وجود القواعد الأجنبية حماية، بينما هو في الواقع مصدر تهديد مباشر.

فالقواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة لم تجلب أمنًا، بل جعلت الدول المضيفة أهدافًا مفتوحة، وورّطت الشعوبَ في صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل.

وحين تستهدف إيران هذه القواعد، فإنها تفعل ذلك في إطار صراعها المباشر مع أمريكا، لا مع الشعوب العربية، لكن النتائج تُلقى على كاهل العرب لأن القرار ليس بأيديهم، ولأنهم فُصلوا منذ زمن عن موقع القيادة الواعية التي تحمي القرار والسيادة.

الأسوأ من ذلك هو الترويج لوَهْمِ أن هزيمة إيران ستكون في مصلحة العرب، بينما الحقيقة أن أيَّ اختلال كبير في ميزان القوى لن يخدِم إلا كَيان الاحتلال الصهيوني، ويمنحه تفوقًا مطلقًا يفتح شهيته لمزيد من العدوان.

إن محاولة جَرَّ العرب إلى هذه الحرب ليست حدثًا طارئًا، بل امتدادٌ لمسار طويل من فصل القيم عن السياسة، والحق عن القوة، والقرآن عن قيادته الحقة.

ولو أن الأُمَّــةَ تمسكت فعليًّا بما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لما أصبح قرارُ الحرب والسلم يُدار من خارجها، ولما تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع من يريد جرّ العرب إلى حرب ليست حربهم، بل مع الجذر الفكري والتاريخي الذي جعل هذا التوريط ممكنًا.

والعودة إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كتاب الله والعترة، لا كشعار، بل كوعي ومنهج وموقف، هي السبيل لاستعادة البُوصلة، ورفض أن يكون العرب أدوات في مشاريع أمريكا وكَيان الاحتلال الصهيوني، وبناء موقف مستقل يحمي الأُمَّــة من الاستنزاف ويعيد توجيه الصراع نحو عدوه الحقيقي.