المترفون ومنهج الهلاك.. من سنن القرآن إلى واقع الاستكبار المعاصر في ظل نموذج ترامب
أفق نيوز| عبدالله عبدالعزيز الحمران
حين يقدّم القرآن الكريم سنن الهلاك للأمم، فإنه لا يعرضُها كحكاية من الماضي، بقدر ما تكون قانونًا إلهيًّا حيًّا يتكرّرُ كلما توفّرت أسبابُه.
يقول تعالى: {وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدمّـرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا} (الإسراء: 16).
هذه الآية تكشف بوضوح أن بدايةَ الانهيار لا تنطلقُ من ضعف الشعوب، وإنما من انحراف القيادات حين يتصدر “المترفون” واجهة القرار والتأثير.
فالمترف في المفهوم القرآني ليس مُجَـرّد غنيّ، بقدر ما هو إنسان تشكّلت نفسيته في بيئة النعمة حتى فقد الإحساس بالمسؤولية، وأصبح يرى في التكليف عبئًا، وفي القيم قيدًا على مصالحه.
﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أي كلّفناهم واختبرناهم، فجاءت الاستجابة ﴿فَفَسَقُوا﴾، لا لأن الأمر يدعو إلى الفساد؛ بل لأنهم استكبروا عن الطاعة، وتمرّدوا على الحق، فانحرفوا بأنفسهم كما تؤكّـد التفسيرات، ثم سعوا إلى تعميم هذا الانحراف داخل المجتمع، حتى يتحول الفساد إلى حالة عامة، ويصبح الانحراف هو القاعدة.
وهنا تتجلى خطورة المترفين؛ فهم لا يفسدون وحدَهم، بل يقودون الأُمَّــة إلى الفساد، ويعيدون تشكيل وعيها بما يخدم مصالحهم، حتى تغدو القيم مقلوبة، والحقائق مشوّهة.
وفي واقعنا المعاصر، لم يعد المترف فردًا محدود التأثير، بل أصبح منظومة متكاملة من النفوذ السياسي والاقتصادي والإعلامي، تتحكم بمصائر الشعوب، وتفرض نموذجها في التفكير والسلوك.
وهذا ما نراه في سلوك قوى الاستكبار العالمي، التي تمارس الهيمنة، وتسوّقها؛ باعتبَارها نظامًا دوليًّا مشروعًا.
ومن أبرز النماذج التي تعكس هذا النمط، شخصية ترامب، الذي جسّد صورة واضحة لـ”ترف القوة” حين تُدار السياسة بعقلية الصفقات، وتُختزل العلاقات الدولية في منطق الربح والخسارة، بعيدًا عن أي التزام بالقيم أَو العدالة.
لقد مثّل هذا النموذج تعبيرًا صريحًا عن حالة الاستكبار المرتبطة بالترف، حَيثُ تتحول النعمة إلى أدَاة طغيان، وتُستخدم القوة لفرض الإرادَة على الشعوب.
غير أن الخطرَ لا يكمن في هذه النماذج وحدَها، بل في قابلية بعض المجتمعات للانخداع بها، أَو محاولة تقليدها، ظنًّا أنها تمثل التقدم والقوة، بينما هي في حقيقتها تعبير عن انحراف يقود إلى الهلاك.
وهنا تتجلى أهميّة الوعي القرآني، الذي يكشف زيف هذه النماذج، ويحصّن الأُمَّــة من الانجرار خلفها.
إن ما يشهده العالم اليوم من أزمات وصراعات وانهيارات أخلاقية، ليس بعيدًا عن هذه السنن الإلهية، بل هو نتيجةٌ طبيعية لهيمنة المترفين، وإقصاء القيم، وتهميش العدالة.
فحين يصبح الفسق سياسة، والاستكبار منهجًا، لا يبقى أمام المجتمعات إلا أن تواجه نتائج هذا المسار.
لكن القرآن، وهو يكشف هذه الحقيقة، لا يدعو إلى الاستسلام، بل إلى الوعي والتحَرّك.
فالهلاك ليس قدرًا مفروضًا، بل نتيجةٌ لمسار يمكن تغييره إذَا أدركت الأُمَّــة مكامن الخطر، وواجهت ثقافة الترف الفاسد، وتمسكت بمنهج الله في العدل والمسؤولية.
وفي ظل ما تعانيه أمتنا من حصار وعدوان، تتأكّـد الحاجة إلى هذا الوعي أكثر من أي وقت مضى؛ لأن المعركة اليوم ليست عسكرية أَو اقتصادية فحسب، بل هي معركة وعي وقيم، بين منهج إلهي يدعو إلى العدل، ومنهج استكباري يقوده المترفون نحو الفساد.
فإما أن تختار الأُمَّــة طريق الوعي والصمود، وتستعيد دورها في مواجهة مشاريع الهيمنة، أَو أن تنجرف خلف بريق الترف، فتكون جزءًا من مسار الهلاك الذي حذّر منه القرآن.
إنها سنّة لا تتخلف، وقانون لا يحابي أحدًا:
حين يفسق المترفون، ويُتَّبعون، يكون الهلاك أقرب مما يُتصور.