أفق نيوز
الخبر بلا حدود

معادلة النار المرتدة.. كيف أسقطت صواريخ المقاومة خارطة “الشرق الجديد” وأحبطت كواليس السفارات من بعبدا إلى إدلب؟

50

أفق نيوز|

​لم تكن الخمسة عشر شهراً الماضية مجرد جولة من المواجهة العسكرية التقليدية، بل كانت محاولة دولية وإقليمية ممنهجة لاستئصال شأفة المقاومة في لبنان وتصفية قضيتها.

اعتقد العدو الإسرائيلي، ومن خلفه الإدارة الأمريكية وبعض القوى الغربية والعربية، أن “زمن حزب الله” قد أفل، وأن الضربات الغادرة التي استهدفت البنية القيادية والميدانية قد فتحت ثغرة في جدار الصمود يمكن من خلالها العبور نحو “لبنان جديد” منزوع القوة والتأثير.

​إلا أن ما حدث على أرض الميدان، من الناقورة وصولاً إلى أعالي الجبل، ومن ضواحي تل أبيب وصولاً إلى “حمق” الوسط، أثبت أن المقاومة ليست مجرد هيكل تنظيمي يمكن هدمه، بل هي عقيدة قتالية متجذرة وجسد حي يمتلك قدرة فائقة على “الترميم تحت النار”.

اليوم، لم يعد حزب الله يكتفي بصد العدوان، بل انتقل إلى مرحلة “إعادة تشكيل قواعد الاشتباك المتقدمة”، فارضاً معادلاته التي ظن الاحتلال أنه تجاوزها بآلته العسكرية.

هذا التقرير يسلط الضوء على تلاحم الميدان بالسياسة، وكيف تحولت صليات الصواريخ إلى “ممحاة” شطبت المخططات التي رُسمت في أروقة السفارات.

​ الميدان يكتب التاريخ.. صدمة “الحافة الأمامية”

​في الوقت الذي كانت فيه التقارير الاستخباراتية الإسرائيلية تتحدث عن تراجع قدرات المقاومة الصاروخية، جاء الرد من “حافة الحدود” اللبنانية الفلسطينية.

إن العودة القوية لمجاهدي المقاومة في التصدي المباشر للنخبة من جيش الاحتلال لم تكن دفاعية فحسب، بل كانت عملية “إعادة احتواء” للميدان.

كلما تحركت آليات العدو برياً، اشتعلت الأرض تحت أقدامهم بفعل كمائن هندسية ورمايات دقيقة أعادت للأذهان ملاحم تموز، بل وتفوقت عليها تقنياً وتكتيكياً.

​هذه “العودة المظفرة” للميدان خلطت أوراق الإدارة الأمريكية التي كانت قد بدأت بالفعل ترتيب مرحلة “ما بعد المقاومة”.

إن كثافة النيران التي وصلت إلى مستوطنات الشمال وعمق الوسط الصهيوني، لم تكن مجرد رسائل عسكرية، بل كانت “فيتو” شعبياً وميدانياً على أي حل سياسي ينتقص من سيادة لبنان أو يفرض شروط الاستسلام.

​”ميشيل عيسى” وكواليس بكركي.. محاولة تفخيخ النسيج اللبناني

​وبالتوازي مع آلة الحرب، نشطت الماكينة الدبلوماسية الأمريكية بقيادة السفير “ميشيل عيسى”، الذي تحرك في مثلّث (بعبدا – السرايا – بكركي) حاملاً مشروعاً لا يهدف لإيقاف الحرب بقدر ما يهدف لتفجير لبنان من الداخل.

التحرك الأمريكي الأخير، وخاصة اللقاء مع البطريرك بشارة بطرس الراعي، حمل في طياته سموماً طائفية واضحة؛ حيث جرت محاولة لترويج مقايضة خطيرة: “حماية القلاع المسيحية في الجنوب من الاستهداف الإسرائيلي مقابل رفع الغطاء عن القرى المقاومة”.

​هذا المنطق الذي يفرّق بين “دم ودم” هو محاولة مكشوفة لسلخ المكونات اللبنانية عن بعضها البعض، ودفع الدولة اللبنانية نحو “انخراط دقيق” ينتهي بجلوس مذل مع الكيان الصهيوني.

الأخطر في هذا الطرح هو السعي لاستخدام الجيش اللبناني كأداة صدام مع المقاومة تحت مسميات “الإجراءات الأمنية”، وهو فخ وطني تدرك المقاومة وقيادة الجيش أبعاده الكارثية على السلم الأهلي.

“جبهة الجولاني” والوظيفة الصهيونية الجديدة

و​في بُعد إقليمي متصل، كشف “تومبراك” في مجلس الأمن الدولي عن الوجه القبيح للمؤامرة في سوريا.

إن سعي واشنطن لانتزاع دمشق من “معادلة المقايضة” لم يكن إلا تمهيداً لتحويل الجماعات المسلحة في الشمال السوري، وعلى رأسها “جماعة الجولاني”، إلى أدوات “متصهينة” وظيفياً.

​البيانات واللقاءات التي كُشف عنها لترتيب اتفاقات بين الجماعات الإرهابية في إدلب وكيان العدو، تهدف بوضوح إلى فتح “جبهة إشغال” ضد محور المقاومة في سوريا، لتخفيف الضغط عن جيش الاحتلال المنهك على حدود لبنان الشمالية.

إن تحرك “الجولاني” كجزء نشط في مواجهة خصوم أمريكا هو اعتراف رسمي بأن الإرهاب التكفيري والصهيونية باتا وجهين لعملة واحدة في معركة “تصفية الحساب” مع حزب الله.

​ “ماركو روبيو” والدبلوماسية الانتحارية

و​لم يغب الدور الفرنسي عن المشهد، لكن القيادة الفعلية لعملية “الخنق السياسي” كانت لماركو روبيو والجانب الأمريكي. المصطلحات التي استخدمها روبيو حول “إخراج لبنان من الحرب” ليست سوى شيفرة دبلومسية تعني “استسلام المقاومة”.

إلا أن الرد جاء بالنار والشهداء؛ فالمقاومة اللبنانية التي قدمت تضحيات جساماً لا يمكن أن تقبل بصيغة تعيد لبنان إلى العصر الإسرائيلي.

​إن التنسيق الواسع الذي قادته الخارجية الأمريكية في الأسابيع الماضية اصطدم بجدار صلب من الوعي السياسي لدى قيادة المقاومة، التي أدارت الملف التفاوضي من موقع “القوة المستندة إلى الميدان”، رافضة أي تنازل يمس بسلاحها أو بكرامة الوطن.

​استراتيجية “إشعال الحافة” وإفشال الرهان البري

و​يراهن العدو اليوم على تحرك بري “خطر وغير مضمون” كخيار أخير لاستعادة هيبته الضائعة.

لكن عملية “الالتحام” التي يقودها المجاهدون على كامل الخط الحدودي أحدثت صدمة في مراكز القرار بـ يافا المحتلة “تل أبيب”.

ففي كل متر يحاول العدو التقدم فيه، يجد نفسه أمام “أشباح” يخرجون من تحت الأرض ومن بين الركام، محولين دبابات “الميركافا” إلى حطام يشهد على فشل التكنولوجيا أمام الإرادة.

​هذه القدرة على “إعادة إشعال المعركة” في كل مرة يظن فيها العدو أنه أحكم السيطرة، هي التي أفشلت المسار الرسمي اللبناني العاجز عن المواجهة، وأعادت وضع “المسار الصحيح” للصراع بعد شهور من الاستباحة الصهيونية.

​الخاتمة: النصر لمن يمتلك النفس الأطول

​في الختام، يبدو واضحاً أننا أمام مواجهة قد تطول، لكنها مواجهة محكومة بنتائج الميدان لا بتمنيات السفارات.

لقد استطاع حزب الله، عبر دمج العمليات العسكرية النوعية بالوعي السياسي الحاد، أن يسقط ركام الأوراق التي رتبتها واشنطن وحلفاؤها.

​إن التحول الذي يقوده الحزب اليوم يتجاوز الدفاع عن حدود، ليصل إلى “إعادة صياغة هوية المنطقة”.

فلا “الجولاني” في سوريا، ولا “ميشيل عيسى” في بيروت، ولا طائرات الاحتلال في الجو، استطاعوا كسر إرادة المقاتل الذي يرى في الشهادة نصراً وفي الصمود واجباً.


إن الخارطة التي تُرسم اليوم بدماء الشهداء هي الخارطة الوحيدة التي ستعتمدها الأجيال القادمة، أما “الترتيبات الاستسلامية” فمكانها مزبلة التاريخ. المقاومة باقية، تتمدد في الوجدان وتتعزز في الميدان، والكلمة الأخيرة كانت وستبقى لصاحب الأرض، لمن إذا قال فعل، وإذا وعد صدق.