أفق نيوز
الخبر بلا حدود

من غزوة تبوك إلى زمن المواجهة.. القرآن يرسم للأمة خارطة الوعي ويكشف طبيعة الصراع عبر العصور

34

أفق نيوز|  أعده للنشر | طارق الحمامي

في لحظةٍ فارقة من التاريخ الإسلامي، لم تكن غزوة تبوك مجرد تحرك عسكري عابر في السيرة النبوية، بل كانت في دلالاتها العميقة  مدرسة متكاملة لبناء الأمة، وفرز الصفوف، وكشف طبيعة الصراع الذي سيمتد عبر العصور ،  إن الرؤية الدلالية التي طرحها الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، رضوان الله عليه ، بهذا الشأن تعيد تسليط الضوء على هذه المحطة العظيمة، لا بوصفها حدثًا تاريخيًا يُروى، بل بوصفها منهجًا قرآنيًا واستراتيجيًا لفهم التحديات الكبرى التي تواجه الأمة،  فلو عاد المسلمون كما أكد الشهيد القائد إلى غزوة تبوك وحدها، وإلى سورة التوبة التي نزلت في سياقها، لوجدوا فيها من الدروس ما يكفي لبناء وعيٍ راسخ بطبيعة المواجهة، وبكيفية إعداد الأمة نفسيًا وسياسيًا وفكريًا.

إعلان اليقظة الكبرى

ما ورد في سورة التوبة ليس مجرد سردٍ لوقائع الغزوة، بل هي في جوهرها ـ، وثيقة قرآنية لصناعة الوعي، وكشف المواقف، وتمييز الصادق من المتردد،  لقد استنفر الرسول صلوات الله عليه وآله وسلم المسلمين جميعًا للخروج، حتى أولئك الذين كانوا يُعرفون بالتردد والنفاق، مع أن المواجهة المباشرة لم تقع،  وهنا تتجلى الحكمة الكبرى، فلم يكن الهدف مجرد اشتباك عسكري، بل صناعة أمة مستعدة، قادرة على النهوض حين تُستدعى، ومهيأة لتحمل أعباء المواجهة مهما عظمت التحديات،  إنها رسالة واضحة بأن قوة الأمة تبدأ من الجاهزية والاصطفاف، لا من انتظار لحظة الصدام فقط.

بين جوهر الحدث وتفاصيله الهامشية

تكشف هذه القراءة أيضًا عن إشكالية عميقة في تناول السيرة النبوية في بعض المناهج والكتابات؛ إذ ينصرف الاهتمام أحيانًا إلى التفاصيل الجزئية، بينما يُهمَل جوهر الحدث ودلالاته الكبرى،  فبدلًا من التوقف عند الدروس المصيرية لغزوة تبوك، جرى في كثير من الطروحات التركيز على قضايا التمويل والروايات المرتبطة بها، حتى غاب عن الوعي العام المعنى الحقيقي للغزوة باعتبارها محطة تأسيسية في بناء الأمة الواعية،  إن القضية ليست في ذكر الجزئيات التاريخية، بل في ألا تتحول إلى حجاب يحجب المقاصد القرآنية والرسالية الكبرى.

وثيقة المدينة .. تأسيس دولة لا مجرد تسوية

وفي امتداد هذا المسار، تعيد هذه الرؤية قراءة وثيقة المدينة بعيدًا عن التوصيفات المبسطة التي اختزلتها في صلح،  فالوثيقة في جوهرها  كانت إعلانًا لتأسيس مجتمع منظم ودولة ناشئة، وقاعدة مستقرة تنطلق منها الدعوة والرسالة.
لقد عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على تثبيت المدينة كمنطلقٍ للدعوة وبناء المجتمع، وصياغة إطار ينظم العلاقات بين مكوناتها المختلفة، بما يضمن الاستقرار الداخلي،  ومن هنا تأتي أهمية القراءة الدقيقة للنصوص التاريخية، بعيدًا عن الإسقاطات السياسية التي قد تُحمِّلها ما لا تحتمل.

القرآن الكريم .. خارطة الوعي التاريخي للأمة

إن البعد الأعمق في هذه الرؤية يتمثل في التأكيد على أن القرآن الكريم لم يأتِ فقط للهداية الروحية، بل جاء أيضًا لبناء وعي الأمة بمسارها التاريخي وتحدياتها الحضارية، فالسور التي تناولت العلاقة مع أهل الكتاب، مثل سورة البقرة،  وسورة آل عمران،  وسورة المائدة، وسورة التوبة، تفتح بابًا واسعًا للتأمل في كيفية قراءة القرآن للصراعات الفكرية والسياسية التي واجهت الأمة عبر التاريخ، وهذا لا يعني اختزال الواقع في مواجهة أحادية، بل يعني الوعي بسنن التاريخ، وفهم طبيعة التحديات الفكرية والسياسية التي مرت بها الأمة وتستمر في مواجهتها بأشكال مختلفة.

من السيرة إلى الوعي المعاصر

إن الرسالة المركزية التي يحملها هذا الطرح هي أن السيرة النبوية ليست صفحات تُقرأ ثم تُطوى، بل هي منهج لبناء الوعي والقدرة على قراءة الواقع،  وغزوة تبوك هنا ليست ماضيًا، بل درسًا حيًا في الاصطفاف، واليقظة، والاستعداد، وفهم طبيعة التحديات التي تواجه الأمة في كل عصر، ومن هذا المنطلق، يصبح الرجوع إلى القرآن عودةً إلى منبع البصيرة، وإلى المدرسة التي تصنع أمةً تعرف كيف تفهم واقعها، وتبني مستقبلها، وتحسن قراءة موازين الصراع والتحولات الدولية.

ختاما ،،

إن الأمة التي تقرأ غزوة تبوك قراءة وعيٍ وبصيرة، لا قراءة سردٍ عابر، هي الأمة القادرة على النهوض من جديد، وفي زمن تتسارع فيه التحولات، يبقى القرآن الكريم والسيرة النبوية أعظم مصدر لبناء الوعي، وترسيخ الثبات، واستلهام الدروس التي تحفظ للأمة قدرتها على الفهم والمبادرة.

يمانيون