أفق نيوز
الخبر بلا حدود

المفاوضات الإيرانية الأمريكية: بين أهداف العدوان ووقائع الإخفاق

46

أفق نيوز| عبدالله علي هاشم الذارحي

تشهد المنطقة تطورات متسارعة في مسار المفاوضات الإيرانية الأمريكية، في ظل تحولات ميدانية واستراتيجية فرضتها عمليات “الوعد الصادق 4″، التي أعادت رسم ميزان الردع في المنطقة.

وكشفت حدود القوة الأمريكية وكيان العدوّ، وأدخلت “ترامب” في مسار تفاوضي أقرب إلى الإقرار بواقع الهزيمة منه إلى فرض الشروط، وبيان ذلك في التالي:

 

أولًا: أهداف العدوان الصهيوأمريكي.. وسقوطها في الميدان

قبل هذه المرحلة، كانت واشنطن وكَيان الاحتلال تتحَرّكان وفق حزمة أهداف استراتيجية واضحة، إلا أن الواقع الميداني أثبت تعثرها:

إسقاط النظام الإيراني: رغم كُـلّ الضغوط والحروب الناعمة والخشنة، أثبت النظام الإيراني استقراره واستمراره في أداء مهامه، بل وتعزيز تماسكه الداخلي.

إنهاء البرنامج الصاروخي: التجارب الصاروخية الإيرانية لم تتوقف، والقدرات العسكرية لا تزال تتطور، ما يؤكّـد فشل محاولات الاحتواء.

تفكيك البرنامج النووي: العمل مُستمرّ داخل المنشآت النووية، مع تقدم تقني ملحوظ يعكس عجز الضغوط عن إيقافه.

تفكيك محور المقاومة: على العكس، يظهر المحور اليوم أكثر تماسكًا، مع تنسيق ميداني واضح بين ساحاته المختلفة.

السيطرة على مضيق هرمز: لا يزال الممر الحيوي تحت السيادة والرقابة الإيرانية، ما يحفظ لطهران ورقة استراتيجية كبرى.

الهيمنة على النفط وإمدَادات الطاقة: تدفق النفط مُستمرّ خارج الهيمنة الأمريكية الكاملة، في ظل تنوع الشركاء والأسواق.

حماية الحلفاء: كشفت المواجهات الأخيرة عجزًا واضحًا عن توفير الحماية المطلقة للحلفاء، خُصُوصًا في ظل الضربات الدقيقة التي طالت عمق كَيان الاحتلال.

 

ثانيًا: المفاوضات.. من موقع الإملاء إلى موقع الاضطرار

في تحول لافت، صرّح رئيس الوفد الإيراني قبل بدء المفاوضات بأن واشنطن وافقت مبدئيًّا على شرطين أَسَاسيين هما: (الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، ووقف العدوان على لبنان).

هذا التحول يعكس انتقال واشنطن من موقع الفرض إلى موقع التنازل؛ حَيثُ اضطر “ترامب” للقبول بشروط كان يرفضها سابقًا نتيجة مأزق استراتيجي وضغط ميداني متصاعد.

 

ثالثًا: الأموال المجمدة ورقة التحول الاقتصادي

تُقدَّر الأموال الإيرانية المجمدة بنحو 130 مليار دولار، وبالإفراج عنها ستمثل تحولًا اقتصاديًّا كَبيرًا يتمثل في: (تنشيط الاقتصاد، تحسين مستوى المعيشة، تقليص حدة المعارضة، وتعزيز القدرات الدفاعية)؛ ما يجعل هذا الشرط بمثابة نصر اقتصادي موازٍ للنصر العسكري.

 

رابعًا: شرط لبنان.. الكأس المُر للكيان الصهيوني

يُعد وقف العدوان على لبنان أحد أكثر الشروط إيلامًا للكيان المحتلّ؛ إذ يعني:

إنهاء العدوان دون تحقيق إنجاز عسكري.

اعتبار فشل “نتنياهو” في فرض شروط تفاوضية على الحكومة اللبنانية.

منح المقاومة الإسلامية اللبنانية فرصة لإعادة بناء قوتها لتكون أكثر قوة وتأثيرًا.

 

خامسًا: مأزق نتنياهو الداخلي وسيناريو الربط بين الجبهات

يواجه “نتنياهو” أزمة داخلية متصاعدة، وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم المعارضة بفارق ملحوظ.

هذا الواقع يدفعه لمحاولة تحقيق أي نصر، إلا أن الفشل الميداني وضغوط واشنطن يجعلان خياراته محدودة.

أما الكابوس الأكبر للكيان، فيكمن في احتمال أن تربط إيران بين مسارات التفاوض ووقف التصعيد في مختلف الجبهات (لبنان، غزة، اليمن، العراق).

في حال تحقّق هذا، سيجد كَيان الاحتلال نفسه أمام:

عجز عن شن حروب منفردة.

فقدان القدرة على المبادرة العسكرية.

تآكل الردع بشكل متسارع.

مفاوضات تحت سقف القوة

لم تعد المفاوضات الإيرانية الأمريكية مُجَـرّد نقاشات دبلوماسية، بل أصبحت انعكاسا مباشرًا لموازين القوة والانتصار على الأرض.

فإيران تدخل المفاوضات من موقع قوة، مستندة إلى صمودها الداخلي، وتماسك الساحات، وفشل “ترامب” و”نتنياهو” في تحقيق أهدافهم؛ بينما تدخلها واشنطن تحت ضغط الخسائر ومحاولة احتواء تداعيات مرحلة لم تعد فيها اليد العليا لها، بينما صارت إيران رابع قوة في العالم.

وبين هذا وذاك، ستشكل إيران والمقاومة معادلة جديدة في المنطقة عنوانها: أن من يفرض وقائع الميدان يكتب شروط السياسة، والأيّام بيننا إن شاء الله تعالى.