أفق نيوز
الخبر بلا حدود

الشعر التنموي.. شعرية المعجم وبلاغة الأسلوب قراءة في قصيدة “سلاح المعاول” للشاعر/ عبدالباري عبيد

37

أفق نيوز| إبراهيم محمد الهمداني

 

تمهيد نظري في فلسفة الوجود والمعرفة والشعر

طالما كان مفهوم الشعرية، محل جدال وخلاف واختلاف كبير، بين أرباب النقد الأدبي، ورواد الفلسفة والنقد والأدب، منذ أفلاطون وأرسطو، وصولا إلى امتدادهم في العصر الحديث، من رواد حركة الحداثة في الغرب، أمثال رومان جاكبسون وتودروف وتزفيتيان وغيرهم، بالإضافة إلى نظرائهم من رواد الحداثة العربية، أمثال أدونيس وكمال أبو ديب ومحمد مفتاح، وغيرهم من أقطاب الفكر الحداثي العربي، وهؤلاء وإن اتفقوا على الأصل اليوناني لمفهوم الشعرية، فقد اختلفوا في طريقة نقله وترجمته وتوطينه، فأصبحت الشعرية شعريات، تحكمها ثقافات ومعايير مختلفة، ومبادئ وأسس متناقضة، لا تمت إلى واقعنا وبيئتنا وخصوصياتنا بصلة، لتتسع بذلك الفجوة بين المنتج الإبداعي الشعري، والمنتج النقدي الفكري المعياري، وظهرت نماذج إبداعية شعرية مشوهة، حاولت اجترار نماذج غربية وتعريبها، فأسفرت عن غربة إبداعية وقطيعة فكرية، عجز الزمن عن تجاوز سلبياتها، وآثارها المنعكسة على المشهد الثقافي والإبداعي العام.

وكما فشلت محاولات توطين مفاهيم الحداثة الغربية المستوردة، فشلت – أيضا – محاولات تأصيل تلك المفاهيم – في صيغتها المستوردة – إلى جذورها في الفكر العربي القديم، كما أن مساعي فرض تلك المفاهيم، بوصفها فعل الضرورة والواقع، بقوة الدعم الغربي للمؤسسات الثقافية، لم تفلح في تحقيق عملية دمجها وتذويبها في فكر وثقافة المجتمع العربي، حيث عكست العلاقة بينهما، نوعا من الانفصام والشيزوفيرينيا الحادة، بين ما يعتقده المجتمع في إيمانه، وما يمارسه في نشاطه الفكري والإبداعي، خاصة وأن الحداثة الغربية بُنيت على ركيزتين فاسدتين؛ الأولى: تتعلق بطبيعة فلسفة الوجود، القائمة على الإيمان بمبدأ الصدفة، الخاضع لنظرية النشوء والارتقاء، وبالتالي القول إن أصل الإنسان قرد، والثانية: تتعلق بطبيعة فلسفة المعرفة، التي ترى إن الإنسان/ القرد اكتسبها مع مرور الزمن، وخضعت معه لعملية التطور التصاعدي، الذي جعل اللغة إحدى مكتسبات تلك المعرفة، ونظر إلى العلاقة بين الدال والمدلول، بوصفها توافقية تواضعيه اعتباطية، وذلك – بلا شك – مخالف لحقيقة وطبيعة الوجود والمعرفة، التي قدمها لنا الله سبحانه وتعالى، في كتابه القرآن الكريم، وما أرساه وكرسه الفكر الإسلامي، القائم على الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى، هو خالق هذا الكون وموجده من العدم، وهو خالق الإنسان في أحسن تقويم وأبلغ تكريم، وهو الذي علمه الأسماء الحسنى، وزوده بكل ما يحتاج إليه، ليكون خليفته على أرضه، وبناء على مخرجات فلسفتي الوجود والمعرفة في الفكر الإسلامي، يجب علينا إعادة قراءة الموروث الفكري العربي الإسلامي كاملا، وصناعة مسار المستقبل الحضاري الخاص بنا، خاصة وأن القرآن الكريم، قد قدم الإجابات الشافية، على الأسئلة الوجودية الثلاثة، التي طالما ضج بها الفكر الغربي، ولم نعد بحاجة إلى التفكير في إجابات عن: المصدر والوظيفة والمآل، فقد كفانا المنهج الإلهي ذلك، وأكد على إلزامية العلاقة بين الدال والمدلول، بعيدا عن مقولات العبثية والاعتباطية.

إذن: يمكن القول إن الشعر هو إعادة صياغة العالم من خلال اللغة، وأن المعجم هو مجموع الكلمات الواقعة في محور الاختيار، قبل دخولها في محور التأليف، لتصبح ذات معنى محدد، ويرى عبدالقاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز ص٤٦، “أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الفضيلة وخلافها، هي في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها”، وقريب من هذا قول الجاحظ في كتاب الحيوان – ج٥ – ص ٣١٥ – إن “المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي  والبدوي والقروي والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير الألفاظ وسهولة المخرج […..] وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة وضرب من النسيج وجنس من التصوير”، وبذلك ندرك أن شعرية المعجم، لا تتحقق إلا بمعيار الوضع وجودة السبك، والتعبير عن المعاني، إنما يقوم على مهارة اختيار اللفظ وتوليفه، بما قبلة وما بعده، خاصة وأن قيمة الكلمة/ المفردة، والحكم عليها بالحسن أو القبح، لا يمكن إلا في حال نظمها وتوليفها مع أخواتها، وبناء على توظيفها التركيبي والدلالي، وقدرتها على إنتاج معنى معين، يكون له أثره في النفس.

وتكمن شاعرية الشاعر، في مهارته وتميزه في توظيف الكلمات، في نسق تركيبي جديد، يحقق شعريتها وتحولها من نسق الكلام العادي، إلى النسق الشعري، والوظيفة الشعرية الإبداعية، من خلال نظم الكلمات في سياق جديد، يخلق معنى جديدا في العقل، ويترك أثرا معينا في النفس، وهو ما يجعل النظم مهمة بالغة التعقيد والأهمية، كما يقول شيخنا عبدالقاهر الجرجاني، في كتابه دلائل الإعجاز ص٤٩: “ولذلك كان [أي النظم] عندهم نظيرا للنسج والتأليف والصياغة والبناء والوشي والتحبير وما أشبه ذلك”، لتصبح جمالية الشعرية، في تناسق دلالاتها وتلاقي معانيها، على الوجه الذي يقتضيه الحال والمقال، وهو ما يمكن تتبعه في نماذج من الشعر التنموي، لتأكيد شعرية الشعر، مهما كان موضوعه ومجاله، ونقدم هذا النص الشعري البديع، كشاهد على ذلك.

شعرية النص “سلاح المعاول” قراءة وتحليل

“سلاح المعاول”، تكمن شعرية العنوان، في تركيبه الاسمي ومدلولاته، وما أثاره من تساؤلات وغموض، حيث تحولت المعاول من صورتها العادية ووظيفتها المألوفة، وميدان اشتغالها في المزارع وتقليب الأرض، إلى سلاح يمكن بواسطته الاشتباك مع العدو، وبالتالي يمكن بواسطته مواجهة العدوان الصهيوسعوأمريكي، في جبهات وميادين الجهاد الاقتصادي، وتفادي أو تحييد مخاطر وتداعيات، الحصار الاقتصادي المفروض على الشعب اليمني، ظلما وعدوانا منذ العام 2015م، من خلال ما يقدمه الخطاب الشعري، في هذا النص الذي امتزجت فيه مفردات المعجم التنموي، بموهبة الشاعر وشاعريته الفذة، فأعادت تشكيلها وإنتاجها في خطاب شعري بديع، استطاع إخراجها من الأنساق التقليدية لمعانيها الحرفية وموضوعاتها العلمية البحتة، إلى فضاء السياق الشعري والدلالات الجديدة المتجددة، والوظيفة الشعرية للمعجم التنموي في تموضعه الإبداعي الشعري، وتشكّله في الخطاب الشعري، حيث أصبحت “المعاول” سلاحاً، و”تغور الحقول” تبتسم رضى للمزارعين، و”الاكتفاء الذاتي” غاية مقصودة المنال، واستصلاح الأراضي “الصالبة” مهمة مقدسة، وطقساً حاضرا في مهرجان الزراعة الكبير، الذي تموج به الأودية والسهول والجبال، ليكتسب المكان شعرية الحضور الجماهيري الكرنفالي، ويصبح “التليم” و”المحراث” و”الحقل”، أهم حلول المشكلة الاقتصادية، التي لا يقف الشاعر عند إمكانية  طرحها فقط، وإنما يأمر ويحث عليها، من خلال  تكرار فعل الأمر والنداء، حيث يقول:

دشّن سلاح المعاول في ثغور الحقول *** وفي الجهاد الزراعي كل شي فعله

يا شعب قادم على موسم غزير الهطول *** انفض غبار التكاسل واترك البهطله

ازرع جبال اليمن والأوديه والسهول *** واسعى لنيل اكتفاء ذاتي في المرحله

البلدة الطيبة تزرع بكل الفصول *** تكامل انتاجها يكفي البلد بكلمه

اذرى جربها لتحصد من ثراها سبول *** واستصلح الصالبه فيها مع المهمله

المجد ما يبلغه انسان عاجز كسول *** ولا ينال العلا ذي ما حصد سنبله

يا تالم الأرض بالمحراث صيغ الحلول *** من داخل الحقل هات الحل للمشكله

لم تقف شعرية النص التنموي عند جماليات توظيف المعجم، وإنتاج خطاب شعري تنموي رائد، بل تنقلت بلاغة الأسلوب الشعري، من استخدام إمكانات الخطاب المباشر التعبيرية، إلى توظيف الحجاج والإقناع، بتوجيه خطاب غير مباشر، يعتمد على تحليل الوضع الراهن اقتصادياً وسياسياً، حيث تمتزج نتائج تشخيص الواقع المأساوي، بالحكم حيناً وبالحقائق والثوابت حيناً آخر، وبخلاصات رؤى وتجارب واقعية، وفق معادلات عقلية منطقية، مخاطباً العقل والوحدان في آن واحد.

 

ذي ما زرع شبر من أرضه حروبه تطول *** يموت بالجوع لا ما مات من قنبله

وشعب ما يمتلك قوته مصيره يؤول *** لرحمة اعداه في شربه وفي مأكله

أمن الغذا سور تتقهقر أمامه فلول *** والاكتفا درع واقي ساعة الزلزلة

إن الإعراض عن زراعة الأرض ليس سلوكا خاطئا فقط، بل هو الخطيئة الكبرى ذاتها، نظرا لخطورته العالية وتداعياته الكارثية على المجتمع المسلم، حيث يفقد الإنسان حريته وقراره وسيادته، وإن خاض حربا ضد عدوه، فهو لا محالة مهزوم، وسيصبح ضحية حرب طويلة الأمد، كونه لا يمتلك مقومات القوة اللازمة للمواجهة، التي سيكون طحين رحاها، ووقود طول أمدها، وهو مقتول بيد عدوه لا محاله،  ولا سعادة لمن نجى من الموت في ساحات لمواجهة، في هذه الحرب غير المتكافئة، فمن لم يمت بقصف الصواريخ والقنابل، سيموت بسيف الجوع وتداعيات الحصار، ولعل تلك هي أسوأ طرق الموت، ولذلك تصبح الزراعة هي طريق الخلاص، وبوابة الصمود وصناعة النصر، حتى ولو كانت مساحة الأرض المزروعة تساوي شبرا واحدا، كناية عن أقل ما يمكن زراعته، والمشاركة من خلاله، في إحداث التأثير والصمود، وتبرز ثنائية التكامل الدلالي بين “أمن الغذا والاكتفا”، وبين “سور ودرع”، وما أسفرت عنه ثنائية الصورة المتشكلة، وشعريتها الباذخة في التوظيف التقابلي، حيث تحول “أمن الغذا”، إلى “سور تتقهقر أمامه” جحافل الجيوش المعتدية، وأصبح “الاكتفا” درعا واقيا وحصنا حصينا، في ساعة الشدة والأهوال، وما هو أعظم وأشد حالا من ذلك، في “ساعة الزلزلة”.

 

ما للمعونات عند الحر أدنى قبول *** وكيف يقبل فتات اعداه ذي تقتله

مساعدات الغذا ما منها إلا الخمول *** ومنظمات الإغاثه دعمها مكسله

أهدافها تجعل الشعب اليماني ذلول *** والايدي العاملة ذي فيه متسوله

يا منتظر نصف علبة زيت واثنين فول *** ازرع بلادك لكي تتجنب البهذله

كم شخص في القارة السمرا أصابه نحول *** وهو معوِّل على سلة غذا توصله

ينتقل الشاعر من الخطاب الخاص إلى الخطاب العام، مستحضراً الحجج العامة والأدلة الثابتة والوقائع الشاهدة، مستثمراً مفردات المعجم التنموي والاقتصادي وغيرها، مثل “المعونات، مساعدات الغذاء، منظمات الإغاثة، الأيدي العاملة، التسوُّل (متسولة)، السلة الغذائية، الأمم المتحدة، الغلاء والفقر، الصوملة، الاكتفاء، البؤس، الحرمان، حرب الموايد، سهيل اليماني”، حيث تتصاعد شعرية المعجم، في سياق بلاغة الأسلوب الشعري، وبراعة التوظيف الإبداعي، فتصبح “المعونات” معيارا لتحقق حرية الأحرار، ومصداق تمسكهم بها، في ثنائية ضدية بين “المعونات والحرية”، كون تلك المعونات تمثل العبودية والذل، والركون إليها ينتج عنه “الخمول والكسل”، خاصة وأن تلك المؤسسات الاستعمارية الصهيونية، “منظمات الإغاثة”، تهدف من خلال مشروع “المساعدات الغذائية”، إلى إذلال الشعوب وتحويل “الأيدي العاملة” – التي هي قوام النهضة – إلى أيادٍ “متسولة” ذات قيمة سلبية صفرية، مشيراً إلى تفاهة وهزالة تلك المساعدات، المكوَّنة من “نصف علبة زيت واثنين فول”، في اقترانها بمذلة الانتصار، الذي أصبح دالاً على شخص فاعله المخاطَب “يا منتظر”، ليعرض من خلال التصوير التقابلي شواهد الحال والواقع، وما سيصل إليه مصير ذلك “المنتظر”، في مقارنة بشاهد من الواقع المعيش، “كم شخص في القارة السمرا أصابه نحول”، لأنه يعيش مؤملا ومعوِّلا، “على سلة غذا توصله”، كناية عن شعوب قارة أفريقيا، الذين تعرضوا للإفقار الممنهج، وبدا على ملامحهم آثار الجوع والبؤس والفاقة، في مشهدية زاخرة بإجرام الدول الاستعمارية، ومنظمتها المسماة منظمة الأمم المتحدة، التي أمعنت في إذلال قارة أفريقيا – على نحو خاص – وسعت إلى استعباد شعوبها، وحصرها في مشهد انتظار المساعدات التافهة منها، ليصبح النحول هو الشاهد على مأساوية الحال وسوء المنقلب والمآل، هذا على المستوى الواقعي والواقع المؤلم، وعلى المستوى الأسلوبي الشعري، تحتشد الثنائيات في شعريتها التقابلية والتماثلية والضدية وغيرها؛ حيث تبرز شعرية التماثل، في حال ذلك “المنتظر” من أبناء اليمن، الذي يماثل حال نظيره المنتظر “في القارة السمراء”، وتتجلى شعرية التضاد، في المسكوت عنه من مدلولات “القارة السمراء”، التي هي سلة غذاء العالم، بينما ينتظر أبناؤها “سلة غذاء”، حتى أصابهم النحول من شدة الجوع وطول الانتظار.

 

لو في الأمم خير ما زادت لطينه بلول *** ما منها إلا الغلا والفقر و(الصوملة)

كل الحضارات ذي ما تكتفي باتزول *** تصير بالبؤس والحرمان متسربلة

تحضر منظمة الأمم المتحدة عارية من أقنعتها المزعومة، كاشفة عن دورها الإجرامي الهدام، الذي طال كل الشعوب والحضارات، فهي وجميع منظماتها ومؤسساتها، عارية عن القيم الإنسانية والأخلاقية والحضارية، كونها تنطلق ضمن مشروع استعماري ورؤى صهيونية، بهدف قتل وتجويع واستعباد المجتمعات البشرية، ونهب خيراتها وثرواتها، وهدمها بالمساعدات التافهة، واستهدافها بالحصار الاقتصادي والغلاء والإفقار، عبر استراتيجية التركيع من خلال التجويع، والوصول بها إلى حالة “الصوملة”، التي أصبحت أيقونة التجويع والاستلاب والموت الجماعي.

 

لا خير في شخص ما له في الزراعة ميول *** أرضه تناديه ما حتى شحذ معوله

الحرب حرب الموايد من زمان الرسول *** واجدادنا يضربوا في ذلك الأمثله

ونجمنا في الزراعة ما اعتراه الأفول *** اسأل سهيل اليماني عالي المنزله

من اول انسان في الدنيا زرع؟ با يقول: *** أهل اليمن ذي لديهم بالزراعة صله

من قبل ما للزراعة يهتدين العقول *** كان اليماني قد اوجد حل للمعضلة

كما أن قبول المعونات أصبح معيارا لانتقاء الحرية، كذلك عدم الميول إلى الزراعة، أصبح معيارا لانتقاء الخير والخيرية، عند الشخص الذي أعرض عن الاستجابة لنداء الأرض، ولم يشحذ معوله حتى، وانتفاء الخيرية يعني التحول إلى مسار الشر والإجرام، وربما الكفر المناقض لكمال الإيمان، الذي لا يتحقق إلا بالزراعة، والسعي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي، بوصفه معيارا لتحقق كمال الإيمان، كما يقول الشهيد القائد رضوان الله عليه، في شرح دعاء مكارم الاخلاق، ولذلك ربط الشاعر الجانب الاجتماعي بالجانب الديني، في “حرب الموايد”، مستفيدا من الموروث الجمعي في أقوال علي ولد زايد:

يقول علي ولد زايد *** الحرب حرا وبارد

فبارده ضرب بالسيف *** والحر حرب الموايد

بوصفها هي الحرب الحقيقية، منذ زمن الرسول الأعظم – محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم – الذي تعرض هو وأصحابه في شعب أبي طالب، لمثل ما تعرض له الشعب اليمني، من حصار أئمة الكفر وقوى الطغيان، ومحاولات التركيع وفرض الاستسلام، وقطع شأفة الإسلام، وإطفاء نور الله تعالى إلى الأبد، وهي ذات الحالة المتصلة من الماضي إلى الحاضر، ونظرا لخطورة سلاح الحصار الاقتصادي، وأهمية أمتلاك لقمة العيش، والاستغناء عن معونات ومنتجات الغير، اتجه اليمني الأول إلى الأرض، بوصفها الامتداد الروحي لوجوده، والطقس التعبدي في مصاديق أيمانه، منطلقا بوعي كبير بخطورة “حرب الموايد”، في مسيرته الحضارية عبر التاريخ، والأمثلة والشواهد على ذلك كثيرة وزاخرة، حيث تمتلئ بها الذاكرة الجمعية للشعب اليمني، حتى يمكن القول إن نشاطه الزراعي، كان ومازال جزءاً أساسيا من تدينه وإيمانه وطقوسه التعبدية، بالإضافة إلى اختصاص اليمنيين بنسبة نجم من نجوم الزراعة إليهم، هو “سهيل اليماني”، وهو ما لم يكن لشعب آخر، ولذلك أجرى الشاعر الكلام على لسان نجم الزراعة/ “سهيل اليماني”، كشاهد ومتحدث بلسان الشعب اليمني، عن علاقته بالزراعة والنهضة الاقتصادية والسبق الحضاري.

 

انشأ حواجز لكي نحفظ مياه السيول *** وشيّد أكبر سدود الأرض واستكمله

وكم بنى من مواجل في مصب الغيول *** من أجل تكفيه في حقله وفي منزله

ما حد بلغ مثل (ذي القرنين) عرضا وطول *** ذي خطته في المجال التنموي مذهله

واحفاده اليوم بايمضوا مع ابن البتول *** محال يتراجعوا للخلف قيد انمله

في جبهة الاكتفا كلاً مع الله يصول *** يفعل اليوم (محراثه) كما (جرمله)

يستحضر الشاعر مظاهر النهوض الحضاري، التي كان لليمني السبق في تحقيقها، وهي ذاتها التي يحتاجها اليوم، في مساره التحرري النهضوي، ومثلما أجاب “سهيل اليماني”، عن “من اول انسان في الدنيا زرع”، كاشفا عن أولية الإنسان اليمني في مجال الزراعة، وصلته الوثيقة بها، فقد كانت مظاهر النهضة التنموية، حاضرة في كل مجالات حياته، حيث تحضر “الحواجز” كوسيلة لحفظ “مياه السيول”، وتشييد “أكبر سدود الأرض”، كناية عن سد مأرب التاريخي، بالإضافة إلى بناء “المواجل”، من أجل حفظ و استثمار مياه الغيول، وتنظيم استخدامها في الحقول والمنازل، ويبلغ الخطاب الشعري ذروة مساره التصاعدي، باستحضار شخصية “ذي القرنين”، كرمز ديني تاريخي تنموي، وما يحمله من مدلولات القوة والتمكين، وما يمثله بوصفه أيقونة الكمال الإيماني والتنموي، في تأصيل تاريخي وديني، لحقيقة وماهية التنمية القرآنية في مسارها الحضاري الديني، المتصل منذ الجد “ذي القرنين”، إلى “أحفاده اليوم مع ابن البتول”، سماحة السيد القائد العالم المجاهد/ عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، الذي هو فينا اليوم ما كانه ذو القرنين بالأمس في قوم بين السدين، على ذات النهج الرسالي الإلهي والمهمة الإنسانية الحضارية، هو ما يجعل التخطيط في المجال التنموي، والسعي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي، وجبهة الاقتصاد والجهاد التنموي، ميدانا لكل أبناء الشعب اليمني، في تفعيل القوة الجمعية والمبادرة المجتمعية، وتحويل التحديات إلى فرص، والإسهام في تحقيق النصر القادم، في معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس، حيث يستوي أثر وفعل وفاعلية المحراث والبندقية/ “الجرمل” سواء بسواء.

 

تسقط حبوب العرق كنها دراري ولول *** ويلوح بارق أمل للأمه المثقله

لا ما ارتوى زرعها بالما وصابه ذبول *** با يرتوي من نجيع الدم ذي نبذله

تبلغ شعرية الخطاب التنموي أبهى تجلياتها، وذروة مستويات حضورها، في تشكلها البلاغي النصي والبصري التصويري، من خلال علاقة الإنسان بالأرض في طابعها الرومانسي المثالي التكاملي، وفي طبيعة ودلالة النهاية المفتوحة للنص، المتشكلة من جدلية الصراع بين صورة “بارق أمل”، في البيت قبل الأخير، وصورة “نجيع الدم” في البيت الأخير، ضمن ثنائية التضاد بين مدلولات الحياة والموت، بالإضافة إلى جدلية النفي والإثبات المتمحور حول صورة الزرع، “لا ما ارتوى/ با يرتوي”، في حالة إصرار عجيب، حتى لو كلف ذلك أن يُصبُّ “نجيع الدم” في السواقي، بدلا من جريان “الماء”، لكي ترتوي تلك الأرض وما عليها من زروع، هي أساس تحقق حرية الإنسان وكرامته، ولم يعد سقيها بالدم من قبيل المبالغة الشعرية، وإنما هو شاهد على الإنسان اليمني، في نزعته التحررية، وسعية لنيل استحقاقه من السيادة والاستقلال، كاملا غير منقوص، مدركا أن الطريق إلى الاستقلال السياسي والسيادة، لن يمر إلا من خلال بوابة الاستقلال الاقتصادي، وتحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي.

يمكن القول ان هذا النص يمثل أرقى مظاهر شعرية المعجم التنموي، في وقته وحالته، ويعد شاهداً على أوليات تشكل الشعر التنموي، في إطار الأدب التنموي الكلي، بما يحمله من شواهد على واقعه وبيئته وزمنه، وظروفه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، في مسيرة ومسار الفعل التنموي والجهاد الاقتصادي، وبين التوجه التنموي المجتمعي، والإسناد الرسمي الحكومي، يبرز الشعر التنموي – في إطار الأدب التنموي – كرافعة أساس في بناء الوعي الجمعي، وقوة تعبيرية فاعلة في صناعة وتوجيه الرأي العام، بما يحقق تكاتف الجهود، بين الموجه الرسمي (المساند)، والمنفذ الشعبي المجتمعي (المبادر)، والمشجع التوعوي الشعري الإبداعي (المحفز)، ليكتمل بذلك ثالوث المسار التنموي المبارك، الذي انطلق على قاعدة “تحويل التحديات إلى فرص”، ليس فقط على المستوى الواقعي – في مختلف مجالات وميادين التنمية – وإنما على المستوى الأدبي الإبداعي أيضا، حيث تحولت مجالات التنمية، من تموضعها العلمي المحض، إلى خطاب إبداعي شعرا ونثرا وتصويرا وتشكيلا، وبفعل التحديات التي فرضها واقع العدوان والحصار الصهيوسعوأمريكي، استطاع المشهد الأدبي الجهادي اليمني، توظيف ممكنات التعبير الإبداعي – والشعري بدرجة أساس – لخلق فرص إبداعية مذهلة، في مواجهة تداعيات العدوان والحصار، وبناء وعي تنموي مجتمعي رائد، تتهاوى أمامه مشاريع التركيع والاستعباد.

يمكن القول إن الخطاب الشعري التنموي في اليمن، قد حقق السبق الفكري والريادة، في صناعة الوعي المجتمعي وتوجيه الرأي العام، نحو تحقيق مفاعيل الحرية والكرامة والسيادة والاستقلال، وصناعة مقومات الصمود والثبات، ومعادلة المواجهة في الرد والردع، وصولا إلى الشراكة الفعلية والفاعلة، في صناعة النصر الأعظم، وتوثيق مستجدات وتطورات الأوضاع، على الساحتين المحلية والإقليمية، جنبا إلى جنب، مع الخطاب الشعري العسكري (الزوامل)، في إطار الشعر الجهادي العام، وهو ما يمكن استخلاصه من خلال الدراسات النقدية السابقة، التي تناولنا فيها أوليات تشكيل وتشكيل الخطاب الشعري التنموي، وهو – أيضا – ما يمكن تتبعه وملاحظة مظاهره وقضاياه وتطوراته، في بقية النصوص الشعرية الجمة، التي ملأت ساحات المشهد الثقافي الإبداعي، خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي حتَّم عليَّ أن أسعى – مستمدا العون من الله تعالى – إلى توثيق هذه الظاهرة الإبداعية الجديدة، في عموم مسارها الفكري، المتمثل في الأدب التنموي، وفي خصوصية تموضعها الإبداعي، المتمثل في الشعر التنموي، كخطاب شعري إبداعي، استطاع ترويض علوم ومصطلحات ومفاهيم التنمية، من خلال استثمار ممكنات القول والتعبير، بطرائق إبداعية وأساليب فنية بلاغية، وإعادة إنتاجها على هيئة خطاب شعري تنموي بديع، يهدف إلى خلق وعي مجتمعي بأهمية استنهاض المجتمع، والتوجه الجمعي العام نحو ترسيخ وتفعيل مفهوم التنمية على هدى الله، في مرجعيتها الدينية كقاعدة أساس لعملية الاستخلاف، وتمثلاتها المجتمعية وعيا وتحركا وعملا.

 

خاتمة لابد منها

وفي ختام هذه الدراسة المتواضعة، لا يسعني إلا تقديم الاعتذار والأسف الشديد، لجميع الشعراء الذين لم أصل إلى قصائدهم، ولم يسعفني الوقت والجهد والصحة، لدراستها واستقصاء جمالياتها، وتتبع قضايا الشعر التنموي، في شقيها الموضوعي والفني، وجماليات أساليب بناء الوعي الجمعي، كما اعتذر لهذا الشاعر المجاهد العملاق، الشاعر يحيى عبيد، لأني لم استوف دراسة جميع القصائد التنموية الرائعة، التي زودني بها، واكتفيت بدراسة قصيدة واحدة “سلاح المعاول”، ولكني أقول له ولجميع الأخوة الشعراء، أتمنى أن تقبلوا اعتذاري إليكم، وأعدكم – مستمدا العون والتوفيق من الله تعالى – أن استكمل هذا المسار النقدي، في محوريه العام (الأدب التنموي)، والخاص (الشعر التنموي)، ما دام في العمر بقية، وفي الجسد بقايا عافية.