في يومٍ من أيام الله الخالدة، وفي مشهدٍ يهتزّ له الوجدان، وتخشع أمامه القلوب، نقف على أعتاب وداعٍ ليس ككل وداع، ورحيلٍ ليس كسائر الرحيل، نقف أمام مشهدٍ تعجز الحروف عن احتوائه، وتتقاصر البلاغة عن الإحاطة بجلاله، وتضيق الكلمات عن حمل معانيه، إنه يوم وداع قائدٍ أممي، يوم وداع قامةٍ شامخةٍ من قامات الأمة، ورمزٍ استثنائيٍّ من رموز العزة والكرامة، ورجلٍ صنع من الموقف تاريخًا، ومن الثبات مدرسةً، ومن التضحية نهجًا تتوارثه الأجيال.

إن تشييعك اليوم ليس بحجم الجموع التي احتشدت، ولا بحجم الساحات التي ضاقت بمحبيك، بل بحجم الأثر الذي تركته في النفوس، وبحجم الحضور الذي سكن الوجدان، وبحجم العظمة التي وهبك الله إياها في قلوب المؤمنين والأحرار، إنه تشييعٌ بحجم أمةٍ بأكملها خرجت تودع قائدًا استثنائيًا، ورمزًا خالدًا، ورجلًا تجاوزت سيرته حدود الجغرافيا لتستقر في ضمير التاريخ.

يا سيدنا وقائدنا وحبيبنا، كنت لله طائعًا، ولجدك محمد -صلى الله عليه وآله- تابعًا، ولعماد الدين رافعًا، وللحق ناصرًا، وللإسلام والمسلمين رحيمًا، وللأمة ناصحًا ومخلصًا، وللطغيان قامعًا، وللطغاة مقارعًا، وفي ميادين البلاء صابرًا محتسبًا، وفي مواطن الشدة ثابتًا، لا تزلزلك العواصف ولا تنال منك الخطوب.

أنت والله قويم الطرائق، كريم الخلائق، عظيم السوابق، شريف النسب، منيف الحسب، رفيع الرتب، كثير المناقب، محمود الضرائب، جزيل المواهب، حليمٌ رشيد، منيبٌ جواد، أواهٌ، حبيبٌ مهيبٌ، جمعت بين رقة المؤمن وصلابة المجاهد، وبين رحمة القائد وهيبة الموقف، فاستحققت أن تحظى بمحبة الصادقين المؤمنين.

لقد كنت صوتًا للكرامة حين خفتت الأصوات، ورايةً للحق حين انحنت الرايات، وحصنًا للثبات حين تهاوت الحصون، صنعت من اليقين قوةً لا تُقهر، ومن الصبر نصرًا لا يُهزم، ومن الإيمان مشروعًا نهضويًا ألهم الأحرار، وأربك حسابات الطغاة، فغدوت مدرسةً في العزة والإباء، وعنوانًا للشموخ والكبرياء، ورمزًا خالدًا من رموز النهضة والكرامة.

يا سيدي..

قد شاءت الأقدار أن نُحرم في اليمن من شرف قدومك وتشييعك على تراب اليمن الصامد، الذي قلت فيه يومًا من الأيام إن هذا التراب سيمرغ أنف آل سعود وأسيادهم الصهاينة، وحُرم الملايين من أبناء اليمن من الحضور إلى مراسم تشييعك، غير أن أرواحنا كانت هناك تحلّق في سماء الوداع، وقلوبنا كانت تسير في مواكب المشيعين، وأعيننا كانت تفيض بالدموع حزنًا على فراقك، وإن غابت أجسادنا عن ساحات التشييع، فإن محبتك الراسخة في النفوس جعلتنا جزءًا من ذلك المشهد المهيب الذي سيسجله التاريخ بأحرفٍ من نور.

سيحملك العاشقون إيمانًا لا تزعزعه السنون، وسيحملك الأوفياء وفاءً لا تنال منه الأيام، وسيحملك الأحرار عرفانًا لمواقفك العظيمة وتضحياتك الجليلة، وستحملك قلوبنا قبل الأكتاف؛ لأن مكانَك فيها أوسعُ من الساحات، وأبقى من الأزمنة، وأرسخ من أن تنال منه تقلبات الأيام.

غبت عن الأبصار، لكنك لم تغب عن البصائر، ورحلت عن الدنيا، لكنك بقيت حاضرًا في الضمائر، فكم من رجلٍ عاش طويلًا ثم غاب ذكره، وكم من عظيمٍ ارتحل جسدًا فازداد حضوره اتساعًا وامتدادًا، وأنت والله من أولئك الذين لا تحدهم الأعمار، ولا تطويهم الدهور؛ لأنهم يتحولون إلى معالم راسخة في ذاكرة الشعوب، وإلى مناراتٍ تهتدي بها الأجيال في دروب الكرامة والحرية.

أنت مدرسةٌ في الثبات حين تزلزلت المواقف، ومنارةٌ في اليقين حين كثرت الفتن، وصوتٌ للقدس وفلسطين حين آثر كثيرون الصمت، ورايةٌ للعزة حين انحنت هاماتٌ كثيرة أمام جبروت الطغيان، فغدوت رمزًا خالدًا للشموخ، وعنوانًا أبديًا للصمود، وصفحةً ناصعةً في كتاب المجد الذي لا تُمحى سطوره.

إن الجماهير اليوم لا تشيّع جسدًا فحسب، إنما تشيع مرحلةً من المجد، وقامةً من قامات الأمة، ورجلًا حمل همّ المستضعفين، ودافع عن قضايا أمته، وثبت في وجه العواصف حتى لقي الله ثابت الخطى، مرفوع الرأس، عزيز النفس، كريم الموقف.

يا سيدي..

إن الغياب الذي يطوي الأجساد لا يستطيع أن يطوي المواقف، وإن الموت الذي يختطف الأرواح لا يستطيع أن ينتزع المبادئ التي غرستها في النفوس، فها أنت اليوم أكثر حضورًا في وجدان محبيك، وأكثر رسوخًا في ذاكرة الأمة، وأكثر خلودًا في صفحات التاريخ.

سلام عليك يوم حملت راية الحق فلم تضعها، وسلام عليك يوم صدعت بكلمة الحق فلم تخشَ في الله لومة لائم، وسلام عليك يوم ثبتَّ في ميادين المواجهة، ثابتَ الجنان، قويَّ الإيمان، وسلام عليك يوم ارتقيت إلى الله شامخًا كما عشت شامخًا، وسلام عليك يوم شيّعتك الجماهير كما يشيّع العظماء الذين لا تموت ذكراهم ولا تنطفئ آثارهم.

نم قرير العين يا سيدي، فقد رحلت جسدًا وبقيت نهجًا، وغبت شخصًا وبقيت قضية، وارتحلت عن الدنيا، لكنك تركت إرثًا من العزة والكرامة والشموخ سيظل حيًا في ضمير الأمة، تتناقله الأجيال، وتخلده المواقف، وتحفظه ذاكرة الأحرار، ما بقي للحق أنصار، وللحرية عشاق، وللوفاء مكانٌ في قلوب المؤمنين.